المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١٣٩ - محاسن المفاخرة
كنت ترجو أن تكون خليفة و لست هناك» ، قال الحسن: «إنما الخليفة من سار بسيرة رسول اللّه و عمل بطاعته، و ليس الخليفة من دان بالجور، و عطل السنن، و اتخذ الدنيا أبا و أما، و لكن ذلك ملك أصاب ملكا يمتع به قليلا و يعذب بعده طويلا، و كان قد انقطع عنه و استعجل لدته و بقيت عليه التبعة؟ فكان كما قال اللّه تعالى: «و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين» . ثم أنصرف، فقال معاوية لعمرو: «ما أردت إلاّ هتكي. ما كان أهل الشام يرون أحدا مثلي، حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا» .
قال: و قدم الحسن بن علي رضي اللّه عنه على معاوية، فلما دخل عليه، وجد عنده عمرو ابن العاص، و مروان بن الحكم، و المغيرة بن شعبة، و صناديد قومه و وجوه أهل بيته، و وجوه أهل اليمن و أهل الشام، فلما نظر إليه معاوية، أقعده على سريره، و أقبل عليه بوجهه يريه السرور به و بقدومه، فحسده مروان و قد كان معاوية قال لهم: «لا تحاوروا هذين الرجلين، فقد قلداكم العار عند أهل الشام» -يعني الحسن بن علي رضي اللّه عنه، و عبد اللّه بن عباس-فقال مروان: «يا حسن، لو لا حلم أمير المؤمنين و ما قد بناه له آباؤه الكرام من المجد و العلى، ما أقعدك هذا المقعد، و لقتلك، و أنت لهذا مستحق بقودك الجماهير إلينا، فلما قاومتنا و علمت ألا طاقة لك بفرسان أهل الشام، و صناديد بني أمية، أذعنت بالطاعة، و احتجزت بالبيعة، و بعثت تطلب الأمان. أما و اللّه لو لا ذلك لأراق دمك، و لعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد اللّه إذ ابتلاك بمعاوية، و عفا عنك بحلمه، ثم صنع بك ما ترى» . فنظر إليه الحسن و قال: « ويلك يا مروان، لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها. و المخاذلة عند مخالطتها. هبلتك أمك. لنا الحجج البوالغ، و لنا عليكم، إن شكرتم، النعم السوابغ، ندعوكم إلى النجاة، و تدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين. تفتخر ببني أمية و تزعم أنهم صبر في الحرب، أسد عند اللقاء، ثكلتك الثواكل أولئك البهاليل السادة، و الحماة الذادة، و الكرام القادة، بنو عبد المطلب. أما و اللّه لقد رأيتهم أنت، و جميع