المحاسن و الأضداد - الجاحظ - الصفحة ١١٤ - محاسن الشجاعة
و كفّ شثنه البراثن [١] إلى مخالب كالمحاجن ثم ضرب بذنبه فأرهج [٢] و كشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة و فم أشدق كالغار الأخرق ثم تمطى فأسرع بيديه و حفر وركيه برجليه حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى [٣]
فاقشعر [٤] ، ثم مثل [٥] فاكفهر [٦] ، ثم تجهم فازبأر [٧] ، فلا و الذي بيته في السماء ما اتقيناه بأول من أخ لنا من بني فزارة كان ضخم الجزارة فوهصه [٨]
ثم أقعصه فقضقض متنه و بقر بطنه، فجعل يلغ في دمه فذمرت أصحابي فبعد لأيّ ما استقدموا فكر مقشعر الزبرة كأن به شيهما [٩] حوليا فاختلج من دوني رجلا اعجر ذا حوايا فنفضه نفضة فتزايلت أوصاله و انقطعت أوداجه، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر ثم لحظ، فو اللّه لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه عن شماله و يمينه، فارتعشت الأيدي و اصطكت الأرجل و أطت الأضلاع و ارتجت الأسماع و حملجت العيون و انخزلت المتون و لحقت الظهور البطون ثم ساءت الظنون و أنشأ (يقول) :
عبوس شموس، مصلخدّ خنايس # جريء على الأرواح للقرن قاهر [١٠]
منيع و يحمي كل واد يرومه # شديد أصول الماضغين مكابر
براثنه شثن و عيناه في الدجى # كجمر الغضا في وجهه الشر ظاهر
يدل بانياب حداد كأنها # إذا قلّص الأشداق عنها خناجر
فقال عثمان: أكفف لا أم لك، فلقد أرعبت قلوب المسلمين و لقد و صفته حتى كأني أنظر إليه يريد يواثبني. و قيل في المثل: و هو اجبن من هجرس-و هو القرد-و ذلك لأنه لا ينام إلاّ و في يده حجر مخافة أن يأكله الذئب. و حدثنا رجل بمكة قال: إذا كان الليلة رأيت القرود تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة واحدا في أثر واحد في يد كل واحد منهم حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها و إن نام واحد و سقط الحجر من يده خرج
[١] كفّ شثنة البراثن: غليظة البراثن.
[٢] أرهج: أثار الغبار.
[٣] أقعى: جلس على استه.
[٤] اقشعر: تجمع.
[٥] مثل: انتصب قائما.
[٦] اكفهر: غلظ و اسود و عبس.
[٧] ازبأر: بان شعره.
[٨] وهص : دق و كسر.
[٩] الشيهم: القنفذ.
[١٠] مصلخد: منتصب.