البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٥٦ - مقطعات و خطب قصيرة
و قال المغيرة بن شعبة: لا يزال الناس بخير ما تعجبوا من العجب.
و كان يقال: ترك الضحك من العجب، أعجب من الضحك بغير عجب.
قال: قدم سعيد بن العاصي على معاوية فقال: كيف تركت أبا عبد الملك؟فقال: منفذا لأمرك، ضابطا لعملك. فقال له معاوية: إنما هو كصاحب الخبزة كفى إنضاجها فأكلها. فقال سعيد: كلا إنه بين قوم يتهادون فيما بينهم كلاما كوقع النبل، سهما لك و سهما عليك. قال: فما باعد بينه و بينك؟ فقال: خفته على شرفي، و خافني على مثله. قال: فأي شيء كان له عندك في ذلك؟فقال: أسوءه حاضرا و أسره غائبا.
قال: يا أبا عثمان، تركتنا في هذه الحروب. قال: نعم: تحملت الثقل و كفيت الحزم، و كنت قريبا لو دعيت لأجبت، و لو أمرت لأطعت. قال معاوية: يا أهل الشام: هؤلاء قومي و هذا كلامهم.
قال: و كان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العتكيّ، فلما أثنى الوفد على الحجاج عند عبد الملك، و الحجاج حاضر، قال زياد: «يا أمير المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، و سهمك الذي لا يطيش، و خادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم» . فلم يكن بعد ذلك أحد أخف على قلبه منه.
و قال شبيب بن شيبة لسلم بن قتيبة: و اللّه ما أدري أي يوميك أشرف:
أ يوم ظفرك أم يوم عفوك.
قال: و قال غلام لأبيه-و قد قال له: لست لي ابنا-: و اللّه لأنا أشبه بك منك بأبيك، و لأنت أشد تحصينا لأمي من أبيك لأمك.
و كتب عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر ذي الجناحين إلى رجل من إخوانه:
«أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك. ابتدأتني بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء عن غير ذنب، فأطمعني أولك في