البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١ - طبقات الشعراء
تأتيهم المعاني سهوا و رهوا [١] ، و تنثال عليهم الألفاظ انثيالا. و إنما الشعر المحمود كشعر النابغة الجعدي و رؤبة. و لذلك قالوا في شعره: مطرف بآلاف و خمار بواف. و قد كان يخالف في ذلك جميع الرواة و الشعراء. و كان أبو عبيدة يقول و يحكي ذلك عن يونس.
و من تكسب بشعره و التمس به صلات الأشراف و القادة، و جوائز الملوك و السادة، في قصائد السماطين، و بالطوال التي تنشد يوم الحقل، لم يجد بدا من صنيع زهير و الحطيئة و أشباههما، فإذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام و تركوا المجهود، و لم نرهم من ذلك يستعملون مثل تدبيرهم في طوال القصائد في صنعة طوال الخطب، بل كان الكلام البائت عندهم كالمقتضب، اقتدارا عليه، و ثقة بحسن عادة اللّه عندهم فيه. و كانوا مع ذلك إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير و مهمات الأمور، ميّثوه [٢] في صدورهم، و قيدوه على أنفسهم، فإذا قوّمه الثقاف و أدخل الكير، و قام على الخلاص، أبرزوه محكما منقحا، و مصفى من الأدناس مهذبا. قال الربيع بن أبي الحقيق لأبي ياسر النضيري:
فلا تكثر النجوى و أنت محارب # تؤامر فيها كل نكس مقصر
و قال عبد اللّه بن وهب الراسبي: «إياي و الرأي الفطير» .
و كان يستعيذ باللّه من الرأي الدّبري، الذي يكون من غير روية، و كذلك الجواب الدبري.
و قال سبحان وائل: «شر خليطيك السئوم المحزّم» لأن السئوم لا يصبر، و إنما التفاضل في الصبر. و المحزم صعب لا يعرف ما يراد منه، و ليس الحزم إلا بالتجارب، و بأن يكون عقل الغريزة سلما إلى عقل التجربة. و لذلك قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: «رأي الشيخ أحب إلينا من جلد الشاب» .
[١] السهو و الرهو: السهل اللين.
[٢] ميث: ذلل، يسر.