البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٥٨ - مقطعات و خطب قصيرة
و نحن منها في بلاء، حين أمن الخائفون، و رجع الهاربون. رزقنا اللّه منك التحنن، و ظاهر علينا منك التمنن، فإنك أمين مستودع، و رائد مصطنع.
و السلام و رحمة اللّه.
قال هشام بن الكلبي، قال: حدثني خالد بن سعيد، عن أبيه قال:
شكت بنو تغلب السنة إلى معاوية، فقال: كيف تشكون الحاجة مع ارتجاع البكارة، و اجتلاب المهارة؟! ابن الكلبي قال: كتب معاوية إلى قيس بن سعد، و هو والي مصر لعلي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه:
أما بعد فإنما أنت يهوديّ بن يهودي. إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك و استبدل بك، و إن ظفر أبغضهما إليك قتلك و نكل بك. و قد كان أبوك وتر قوسه و رمى غير غرضه، فأكثر الحزّ و أخطأ المفصل، فخذله قومه، و أدركه يومه، ثم مات طريدا بحوران. و السلام.
فكتب إليه قيس بن سعد:
أما بعد فإنك وثن بن وثن، دخلت في الاسلام كرها، و خرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك و لم يحدث نفاقك. و قد كان أبي رحمه اللّه وتر قوسه و رمى غرضه، فشغب عليه، من لم يبلغ كعبه، و لم يشق غباره. و نحن بحمد اللّه أنصار الدين الذي خرجت منه، و أعداء الدين الذي دخلت فيه. و السلام.
و قال أبو عبيدة، و أبو اليقظان، و أبو الحسن: قدم وفد العراق على معاوية، و فيهم الأحنف، فخرج الاذن فقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا لنفسه. فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لو لا عزيمة أمير المؤمنين