البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٣ - و خطب الحجاج
فقال الحجاج: إني و اللّه ما أرى أن أرد بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف. فقال: أيها الأمير، إن السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار.
فقال الحجاج: الخيار يومئذ للّه. فقال: أجل، و لكن لا تدري لمن يجعله اللّه. فغضب الحجاج فقال: يا هناه، إنك من محارب. فقال جامع:
و للحرب سمّينا و كنا محاربا # إذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا
و البيت للخضري.
فقال الحجاج: و اللّه لقد هممت أن أخلع لسانك فاضرب به وجهك.
قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، و إن غششناك اغضبنا اللّه. فغضب الأمير أهون علينا من غضب اللّه. قال: أجل. و سكن و شغل الحجاج ببعض الأمر، و انسل جامع فمرّ بين صفوف خيل الشام، حتى جاوزهم إلى خيل أهل العراق. و كان الحجاج لا يخلطهم، فأبصر كبكبة فيها جماعة كثيرة من بكر العراق، و قيس لعراق، و تميم العراق، و أزد العراق فلما رأوه اشرأبوا إليه، و بلغهم خروجه فقالوا له: ما عندك؟دافع اللّه لنا عن نفسك. فقال: ويحكم غموه بالخلع كما يغمكم بالعداوة و دعوا التعادي ما عاداكم، فإذا ظفرتم به تراجعتم و تعافيتم. أيها التميمي، هو أعدى لك من الأزدي، و أيها القيسي، هو أعدى لك من التغلبي. و هل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه منكم.
و هرب جامع من فوره ذلك إلى الشام فاستجار بزفر بن الحارث.
و خطب الحجاج
فقال: اللهم أرني الهدى هدى فأتبعه، و أرني الغيّ غيا فأجنبه، و لا تكلني إلى نفسي، فأضل ضلالا بعيدا. و اللّه ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، و لما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء.