البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٣٥ - و من أحاديث النوكى
و قال آخر؛
و إني لمضاء على الهول واحدا # و لو ظل ينهاني أخيفش شاحج
تشبه للنوكى أمور كثيرة # و فيها لأكياس الرجال مخارج
و قال آخر:
و لا يعرفون الشرّ حتى يصيبهم # و لا يعرفون الأمر إلا تدبرا
و قال آخر:
إذا ظعنوا عن دار ضيم تعاذلوا # عليها و ردوا وفدهم يستقيلها
و قال النابغة:
و لا يحسبون الخير لا شرّ بعده # و لا يحسبون الشرّ ضربة لازب
و العرب تقول: «أخزى اللّه الرأي الدبريّ [١] » .
و قالوا: وجه الحجاج إلى مطهّر بن عمار بن ياسر، عبد الرحمن بن سليم الكلبي، فلما كانوا بحلوان أتبعه الحجاج مددا، و عجل عليه بالكتاب مع تخيت الغلط-و إنما قيل له ذلك لكثرة غلطه-فمر تخيت بالمدد و هم يعرضون بخانقين فلما قدم على عبد الرحمن قال له: أين تركت مددنا؟قال: تركتهم يخنقون بعارضين. قال: أو يعرضون بخانقين؟قال: نعم، اللهم لا تخانق في باركين! و لما ذهب يجلس ضرط، و كان عبد الرحمن أراد أن يقول له: أ لا تغذى؟فقال له: أ لا تضرط. قال: قد فعلت أصلحك اللّه. قال: ما هذا أردت. قال:
صدقت و لكن الأمير غلط كما غلطنا فقال: أنا غلطت من فمي، و غلط هو من استه.
و هو كما قال أبو وائل: أسمعكم تقولون: الدانق و القيراط، فأيما أكثر؟
[١] الرأي الدبري: الذي يسنح بعد فوات الأوان.