البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٤ - من أقوال رسول اللّه و أحاديثه و خطبه
بكلام قط أعم نفعا، و لا أقصد لفظا، و لا أعدل وزنا، و لا أجمل مذهبا، و لا أكرم مطلبا، و لا أحسن موقعا، و لا أسهل مخرجا، و لا أفصح معنى، و لا أبين في فحوى، من كلامه صلّى اللّه عليه و سلّم كثيرا.
قال: و لم أرهم يذمون المتكلف للبلاغة فقط، بل كذلك يرون المتظرف و المتكلف للغناء. و لا يكادون يضعون اسم المتكلف إلا في المواضع التي يذمونها.
قال قيس بن الخطيم:
فما المال و الأخلاق إلا معارة # فما اسطعت من معروفها فتزوّد
و إني لأغنى الناس عن متكلّف # يرى الناس ضلالا و ليس بمهتد
و قال ابن قميئة:
و حمال أثقال إذا هي أعرضت # عن الأصل لا يسطيعها المتكلّف
قال محمد بن سلاّم: قال يونس بن حبيب: «ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم» .
و قد جمعت لك في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار. و لعل بعض من يتسع في العلم، و لم يعرف مقادير الكلم، يظن أنّا قد تكلفنا له من الامتداح و التشريف و من التزيين و التجويد ما ليس عنده، و لا يبلغه قدره. كلا و الذي حرم التزيد على العلماء، و قبح التكلف عند الحكماء، و بهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضل سعيه! فمن كلامه صلّى اللّه عليه و سلّم حين ذكر الأنصار فقال: «أما و اللّه ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع، و تكثرون عند الفزع» . و قال: «الناس كلهم سواء كأسنان المشط» ، و «المرء كثير بأخيه» ، و «لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له» . و قال الشاعر: