البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٢٥ - أقوال و جوابات منتخبة
أدباء الناس و علمائهم، فما منا أحد فطن لخطأ الرسول. فأقبل عليه مبشّر الخادم، فقال: يا ابن اللخناء، تقف على رأس سيدك فتستفتح الكلام كما تستفتحه لرجل من عرض الناس. أ لا تقول: يا سيدي يقول لك أخوك: ترى أن تصير إلينا بأخوانك فقد تهيأ أمرنا؟ و ابتعت خادما كان قد خدم اهل الثروة و اليسار و أشباه الملوك، فمر به خادم من معارفه ممن قد خدم الملوك فقال له: إن الأديب و إن لم يكن ملكا فقد يجب على الخادم أن يخدمه خدمة الملوك، فانظر أن تخدمه خدمة تامة. قلت له: و ما الخدمة التامة؟قال: الخدمة التامة أن تقوم في دارك لبعض الأمر و بينك و بين النعل ممشى خمس خطى فلا يدعك أن تمشي إليها، و لكن يأخذها و يدنيها منك. و من كان يضع النعل اليسرى قدام الرجل اليمنى فلا ينبغي لمثل هذا أن يدخل على دار ملك و لا أديب. و من الخدمة التامة أن يكون إذا رأى متكأ يحتاج إلى مخدة ألا ينتظر أمرك. و يتعاهد ليقة الدواة قبل أن تأمره أن يصب فيه ماء أو سوادا، و ينفض عنها الغبار قبل أن يأتيك بها. و إن رأى بين يديك قرطاسا على طيّه قطع رأسه و وضعه بين يديك على كسره. و أشباه ذلك.
قال: و لما كلم عروة بن مسعود الثقفي، رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، كان في ذلك ربما مس لحية النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال له المغيرة بن شعبة: نح يدك عن لحية رسول اللّه عليه السلام قبل أ لا ترجع إليك يدك. فقال عروة: يا غدر هل غسلت رأسك من غدرتك إلا بالأمس؟أ قال: و نادى رجال من وفد بني تميم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم باسمه من وراء الحجرات، فأنزل اللّه تبارك و تعالى في ذلك: إِنَّ اَلَّذِينَ يُنََادُونَكَ مِنْ وَرََاءِ اَلْحُجُرََاتِ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ . و قال اللّه جل ذكره: لاََ تَجْعَلُوا دُعََاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعََاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [١] .
[١] قدم وفد بني تميم على النبي سنة تسع للهجرة و هي سنة الوفود، يرئسهم عطارد بن حاجب بن زرارة، و بينهم الأقرع بن حابس، و الزبرقان بن بدر، و عمرو بن الأهتم. فلما دخلوا المسجد نادوا من وراء حجراته: أخرج الينا يا محمد.