البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٥٠ - مقطعات و خطب قصيرة
و كتب بعضهم: أما بعد فقد كنت لنا كلك، فاجعل لنا بعضك، و لا ترض إلا بالكل منا لك.
و وصف بعض البلغاء اللسان فقال: اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، و ظاهر يخبر عن ضمير، و شاهد ينبئك عن غائب، و حاكم يفصل به الخطاب و ناطق يرد به الجواب، و شافع تدرك به الحاجة، و واصف تعرف به الحقائق، و معزّ ينفى به الحزن، و مؤنس تذهب به الوحشة، و واعظ ينهى عن القبيح، و مزين يدعو إلى الحسن، و زارع يحرث المودة، و حاصد يستأصل الضغينة، و مله يونق الأسماع.
و قال بعض الأوائل: إنما الناس أحاديث، فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثا فافعل.
و لما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال: يا أمير المؤمنين، لم أزل أستدل بالمعروف عليك، و أمتطي النهار إليك، فإذا ألوى بي الليل فقبض البصر و عفّي الأثر، أقام بدني و سافر أملي و النفس تلوّم، و الاجتهاد يعذر فإذ قد بلغتك فقطني.
قال: قال لقمان لابنه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، و لا الشجاع إلا في الحرب، و لا تعرف أخاك إلا عند الحاجة إليه.
و قال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن صا # حبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه # ساعة مجّك فوه
و قال علي بن الحسين لابنه: يا بني، اصبر على النائبة، و لا تتعرض للحقوق، و لا تجب أخاك إلى شيء مضرته عليك أعظم من منفعته له.
و قال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات.