البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٥٣ - مقطعات و خطب قصيرة
فجعل لا يخرج من حسن إلا إلى أحسن منه. فقال مسلمة: ما شبهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء إلا بسحابة لبّدت عجاجة [١] .
و قال أبو الحسن: علم أعرابي بنيه الخراءة فقال: ابتغوا الخلا، و ابعدوا عن الملا [٢] ، و اعلوا الضّرا [٣] ، و استقبلوا الريح، و أفجّوا إفجاج [٤]
النعامة، و امتسحوا بأشملكم.
و روي عن الحسن أنه قال: لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني احفظوا عني، فلا أحد أنصح لكم مني. إذا مت فسوّدوا كباركم، و لا تسوّدوا صغاركم فيسفّه الناس كباركم و تهونوا عليهم، و عليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم، و يستغنى به عن اللئيم. و إياكم و مسألة الناس، فإنها شر كسب المرء.
سئل دغفل النسّابة عن بني عامر بن صعصعة، فقال: أعناق ظباء، و أعجاز نساء. قيل: فتميم؟قال: حجر أخشن، أن دنوت منه آذاك، و إن تركته خلاك. قيل: فاليمن؟قال: سيد و أنوك.
و كانوا يقولون: لا تستشيروا معلما، و لا راعي غنم، و لا كثير القعود مع النساء.
عقال بن شبة قال: كنت رديفا لأبي، فلقيه جرير على بغل، فحياه أبي و ألطفه، فقلت له: أبعد ما قال؟قال: يا بني أ فأوسّع جرحي؟ قال: و دعا جرير رجلا من شعراء بني كلاب إلى مهاجاته، فقال الكلابي أن نسائي بأمتهنّ، و لم تدع الشعراء في نسائك مترقعا [٥] .
[١] العجاجة: الغبار.
[٢] الخلا: بيت الخلاء.
[٣] الضراء: الارض الفضاء المستوية.
[٤] افجاج: فتح الرجلين و تباعد ما بينهما.
[٥] بامتهن: بحالتهن، بشأنهم. مترقع: موضع الشتم.