البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٣٢ - أحاديث طريفة
بالأرض، و جعلوا على قبره خشبتين من زيتون، إحداهما عند رأسه، و الأخرى عند رجليه، ثم جعل قبره بينه و بين القبلة، و استوى قائما و أحاط به الناس، قال:
رحمك اللّه يا بني، فلقد كنت برا بأبيك، و ما زلت مذ وهبك اللّه لي بك مسرورا. و لا و اللّه ما كنت قط أشدّ بك سرورا، و لا أرجى لحظي من اللّه فيك، مني مذ وضعتك في هذا الموضع الذي صيرك اللّه إليه. فغفر اللّه ذنبك، و جزاك بأحسن عملك، و تجاوز عن سيئتك و رحم اللّه كلّ شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب. رضينا بقضاء اللّه، و سلمنا لأمره. فالحمد للّه رب العالمين. ثم انصرف.
و حدثني محمد بن عبيد اللّه بن عمرو قال أخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: قال لي عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة: جاءت هذه الدولة و أنا حديث السن، كثير العيال، منتشر الأموال، فكنت لا أكون في قبيلة إلا شهر أمري، فلما رأيت ذلك عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي، قال المبارك:
فأرسل إلي: أن وافني عند باب الأمير سليمان بن عبد الملك. قال: فأتيته فإذا عليه طيلسان أبيض مطبق، و سراويل وشي مسدولة. قال: سبحان اللّه، ما تصنع الحداثة بأهلها، إن هذا ليس لباس هذا اليوم. قال: لا و اللّه، و لكن ليس عندي ثوب إلا أشهر مما ترى. قال: فأعطيته طيلساني و أخذت طيلسانه، و لويت سراويله إلى ركبتيه. قال: فدخل ثم خرج إلي مسرورا. قال: قلت: حدثنا ما جرى بينك و بين الأمير. قال: دخلت عليه و لم يرني قبل ذلك، فقلت:
أصلح اللّه الأمير، لفظتني البلاد إليك، و دلني فضلك عليك، فإما قبلتني غانما، و إما رددتني سالما. قال: و من أنت أعرفك. قال: فانتسبت له، فقال: اقعد فتكلم غانما سالما. ثم أقبل علي فقال: حاجتك يا ابن أخي قال: قلت: إن الحرم اللاتي أنت أقرب الناس إليهن معنا، و أولى الناس بهن بعدنا، قد خفن بخوفنا، و من خاف خيف عليه. قال: فو اللّه ما أجابني إلا بدموعه على خديه.
قال: يا ابن أخى يحقن اللّه دمك، و تحفظ حرمك، و يوفر عليك مالك، و لو