البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٧ - أنواع الخطب
و البدو و الحضر، على ضربين: منها الطّوال، و منها القصار، و لكل ذلك مكان يليق به، و موضع يحسن فيه. و من الطوال ما يكون مستويا في الجودة، و متشاكلا في استواء الصنعة، و منها ذوات الفقر الحسان، و النّتف الجياد.
و ليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، و إنما حظه التخليد في بطون الصحف. و وجدنا عدد القصار أكثر، و رواة العلم إلى حفظها أسرع. و قد أعطينا كل شكل من ذلك قسطه من الاختيار، و وفيناه حظه من التمييز، و نرجو ألا نكون قصرنا في ذلك. و اللّه الموفق.
هذا سوى ما رسمنا في كتابنا هذا من مقطعات كلام العرب الفصحاء و جمل كلام الأعراب الخلص، و أهل اللسن من رجالات قريش و العرب، و أهل الخطابة من أهل الحجاز، و نتف من كلام النساك، و مواعظ من كلام الزهاد، مع قلة كلامهم، و شدة توقّيهم. و ربّ قليل يغني عن الكثير، كما أن ربّ كثير لا يتعلق به صاحب القليل. بل رب كلمة تغني عن خطبة، و تنوب عن رسالة.
بل رب كناية تربي على افصاح، و لحظ يدل على ضمير، و إن كان ذلك الضمير بعيد الغاية، قائما على النهاية. و متى شاكل أبقاك اللّه ذلك اللفظ معناه، و أعرب عن فحواه، و كان لتلك الحال وفقا، و لذلك القدر لفقا، و خرج من سماجة الاستكراه، و سلّم من فساد التكلف، كان قمينا بحسن الموقع، و بانتفاع المستمع، و أجدر أن يمنع جانبه من تناول الطاعنين، و يحمي عرضه من اعتراض العائبين، و ألا نزال القلوب به معمورة، و الصدور مأهولة. و متى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متخيرا من جنسه، و كان سليما من الفضول، بريئا من التعقيد، حبّب إلى النفوس، و اتصل بالأذهان، و التحم بالعقول.
و هشّت إليه الأسماع، و ارتاحت له القلوب، و خفّ على ألسن الرواة، و شاع في الآفاق ذكره، و عظم في الناس خطره، و صار ذلك مادة للعالم الرئيس، و رياضة للمتعلم الريّض. فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة، و مصلحة حال الخاصة، و كان ممن يعمّ و لا يخصّ، و ينصح و لا يغش، و كان مشغوفا بأهل الجماعة، شنفا [١] لأهل الاختلاف و الفرقة، جمعت له الحظوظ من
[١] شنف: أبغض.