البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٥٧ - مقطعات و خطب قصيرة
أخائك، و أيأسني آخرك من وفائك، فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحا، و لا أنا في غد و انتظاره منك على ثقة. فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
و السلام.
و كتب إلى أبي مسلم صاحب الدعوة أيضا، من الحبس:
«من الأسير في يديه، بلا ذنب إليه، و لا خلاف عليه. أما بعد فآتاك اللّه حفظ الوصية، و منحك نصيحة الرعية، و ألهمك عدل القضية، فإنك مستودع ودائع، و مولى صنائع، فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك، فالودائع عارية و الصنائع مرعية، و ما النعم عليك و علينا فيك بمنزور نداها، و لا بمبلوغ مداها. فنبه للتفكر قلبك، و اتق اللّه ربك، و أعط من نفسك لمن هو تحتك ما تحبّ أن يعطيك من هو فوقك: من العدل و الرآفة، و الأمن من المخافة، فقد أنعم اللّه عليك بأن فوض أمرنا إليك. فاعرف لنا لين شكر المودة، و اغتفار مس الشدة، و الرضا بما رضيت، و القناعة بما هويت، فإن علينا من سهك [١]
الحديد و ثقله أذى شديدا، مع معالجة الأغلال، و قلة رحمة العمال، الذين تسهيلهم الغلظة، و تيسيرهم الفظاظة، و إيرادهم علينا الغموم، و توجيههم إلينا الهموم، زيارتهم الحراسة، و بشارتهم الإياسة. فإليك بعد اللّه نرفع كربة الشكوى، و نشكو شدة البلوى، فمتى تمل إلينا طرفا، و تولنا منك عطفا، تجد عندنا نصحا صريحا، و ودا صحيحا، لا يضيع مثلك مثله، و لا ينفي مثلك أهله، فارع حرمة من أدركت بحرمته، و اعرف حجة من فلجت بحجته، فإن الناس من حوضك رواء، و نحن منه ظماء، يمشون في الابراد، و نحن نرسف في الأقياد، بعد الخير و السعة، و الخفض و الدعة. و اللّه المستعان، و عليه التكلان، صريخ [٢] الأخيار، و منجي الأبرار. الناس من دولتك في رخاء،
[١] السهك: رائحة الصدأ.
[٢] الصريخ: المغيث.