وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٤٧ - السنة العاشرة من الهجرة
و الذي أجلى المشركين من جزيرة العرب هو عمر (رضي الله عنه)؛ ففي الصحيح من حديث ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود و النصارى من أرض الحجاز، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، و كانت الأرض لما ظهر عليها لله و للرسول و للمؤمنين، فسأل اليهود رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يتركهم على أن يكفوا العمل و لهم نصف الثمر، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «نقركم على ذلك ما شئنا» فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء و أريحاء.
و في الصحيح أيضا عن ابن عمر: لما فدع [١] أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) كان عامل يهود خيبر على أموالهم و قال: نقركم على ما أقركم الله، و إن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه و رجلاه، و ليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا و تهمتنا، و قد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أ تخرجنا و قد أقرنا محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ و عاملنا على الأموال، و شرط ذلك لنا، فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة» فقال:
كانت هذه هزيلة من أبي القاسم (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: كذبت يا عدو الله، فأجلاهم عمر، و أعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا و إبلا و عروضا من أقتاب و حبال و غير ذلك.
و ظاهر هذا أن عمر (رضي الله عنه) إنما استند في إجلائهم لهذه القصة.
و روى ابن زبالة عن مالك عن ابن شهاب أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يبقى دينان في جزيرة العرب».
قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج [٢] و اليقين أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يبقى دينان في جزيرة العرب» فأجلى يهود خيبر، قال مالك: و قد أجلى عمر بن الخطاب يهود نجران و فدك.
و روى البيهقي من حديث عمر مرفوعا: «لئن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود و النصارى من جزيرة العرب» و خرجه مسلم بدون «لئن عشت» و في مسند أحمد و البيهقي عن أبي عبيدة قال: كان آخر ما تكلم به رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «أخرجوا يهود الحجاز و أهل نجران من جزيرة العرب» الحديث.
و روى أحمد بسند جيد عن عائشة قالت: آخر ما عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان».
[١] الفدع: عوج في المفاصل كأنها قد فارقت مواضعها؛ و أكثر ما يكون في رسغ اليد أو القدم.
[٢] أتاه الثلج: الرضى و الاطمئنان و اليقين.