وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٦ - يخلق الإنسان من تربة الأرض التي يدفن فيها
الصرف عن الظاهر؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قصد به الدعاء للدار التي تكون هجرته إليها، فطلب من الله أن يصيرها أحب البقاع إليه تعالى، و الحب من الله تعالى إنالة الخير و التعظيم للمحبوب، و هذا يمكن تجدده بعد أن لم يكن، و قوله: «إن مكة خير بلاد الله و أحبها إليه» محمول على أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قاله في بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة، فلما طالت إقامته (صلّى اللّه عليه و سلم) بالمدينة و أظهر الله دينه، و تجدد لها ما سيأتي من الفضائل حتى عاد نفعها على مكة، فافتتحها الله و سائر بلاد الإسلام منها؛ فقد أنالها الله تعالى و أنال بها من الخير ما لم ينله غيرها من البلاد، و ظهر إجابة الدعوة الكريمة، و أنها صارت خير أرض الله و أحبها إليه بعد ذلك، و لهذا لم يعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى مكة بعد فتحها.
فإن قيل: إنما لم يعد إليها لأن الله افترض عليه المقام بدار هجرته.
قلنا: لم يكن الله ليفترض عليه المقام بها إلا و هي أفضل؛ لكرامته عنده، و قد حثّ (صلّى اللّه عليه و سلم) على الاقتداء به في سكناها و الإقامة بها، و قال: «و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون».
فإن قيل: قال التقي الفاسي: ظن بعض أهل عصرنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «إن مكة خير بلاد الله» حين خرج من مكة للهجرة، و ليس كذلك؛ لأن في بعض طرق الحديث أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال ذلك و هو على راحلته بالحزورة، و هو لم يكن بهذه الصفة حين هاجر؛ لأن الأخبار تقتضي أنه خرج من مكة مستخفيا، و لو ركب بالموضع المشار إليه- و هو الذي يقول له عوام مكة عزوة- لأشعر ذلك بسفره.
قلنا: جاء في رواية لابن زبالة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حين أمره الله بالخروج قال: «اللهم إنك أخرجتني» الحديث، و قد وقع في رواية لابن حبان في حديث الهجرة «فركبا- يعني هو و أبو بكر- حتى أتيا الغار- و هو ثور- فتواريا فيه» و سيأتي في أحاديث الهجرة ما يقتضي أنهما توجها إلى الغار ليلا بعد أن ذرّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ترابا على رءوس جماعة من الكفار كانوا يرصدونه، و قرأ أوائل يس يستتر بها منهم، فلم يروه، فلا يمتنع أن يكون راكبا في هذا الموضع.
و أما أمر مزيد المضاعفة لمسجد مكة، فجوابه أن أسباب التفضيل لا تنحصر في المضاعفة، أ لا ترى أن فعل الصلوات الخمسة للمتوجه إلى عرفات و ظهر يوم النحر بمنى أفضل من فعلها بمسجد مكة، و إن اشتمل فعلها بالمسجد على المضاعفة إذ في الاتّباع ما يربو عليها، و لهذا قال عمر (رضي الله عنه) بمزيد المضاعفة لمسجد مكة كما سيأتي مع قوله بتفضيل المدينة، و غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل، و يؤيد ذلك ما سيأتي مع أن المضاعفة تعم الفرض و النفل، و أن النفل بالبيت أفضل، على أنه إن أريد بالمسجد الحرام في حديث المضاعفة الكعبة فقط كما ستأتي الإشارة إليه، فالجواب أن الكلام فيما