وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٩٠ - محراب المسجد النبوي، و متى صنع؟
المصلّى الشريف كان بها خشبة ظاهرة محكمة بالرصاص، يقول الناس: إنها من الجذع الذي حن للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أن المطري قال: إن الأمر ليس كذلك، و إن العز ابن جماعة أمر بإزالتها، فأزيلت عام خمس و خمسين و سبعمائة.
قال المجد: و رأى بعض العلماء أن إزالتها كانت وهما منهما، و ذلك أن إتقان هذه الخشبة، و ترصيصها بين حجارة الأسطوان و إبرازها لم يكن سدى، و إنما شاهد الحال يشهد بأنه كان من عمل عمر بن عبد العزيز؛ فالظاهر أنه كان من الجذع.
قلت: بل الظاهر أنها ليست منه؛ إذ لم ينقل بقاء شيء منه، بل الظاهر أنها من هذا العود المذكور؛ لما قدمناه فيه، و لما سيأتي عن ابن النجار.
و قول الزيني المراغي: «إن احتمال ذلك كان يمكن تسليمه قبل حريق المسجد، أما بعده فمردود؛ لأنه بقي من حريق المسجد بقايا خشب كثيرة كما سنحققه».
و قول المؤرخين: «إنه لم يبق و لا خشبة واحدة» مردود؛ فقد شاهدت عند إزالة هدم الحريق من الحجرة الشريفة ما لا يحصى من أطراف الخشب المحترق، حتى ميزاب الحجرة الشريفة رأيته من عرعر [١] فيما أظن احترق بعضه و بقي منه قدر الذراع، و أخذ الناس كثيرا من تلك الأخشاب، و اتخذ متولي العمارة و غيره منها سبحا كثيرة، و عبارة ابن النجار صريحة فيما ذكرناه من كون العود المذكور كان بالأسطوانة المذكورة، فإنه ترجم عليه بقوله: «ذكر العود الذي في الأسطوانة التي عن يمين القبلة»، ثم روى عن أهل السير خبر مصعب بن ثابت المتقدم.
و شيوع أن تلك الخشبة من الجذع قديم، فقد قال ابن جبير في رحلته: إن بإزاء الروضة- يعني المصلى الشريف منها- لجهة القبلة عمودا مطبقا يقال: أنه على بقية الجذع الذي حنّ للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و قطعة منه وسط العمود ظاهرة يقبلها الناس و يبادرون للتبرك بلمسها و مسح خدودهم فيها، و على حافتها في القبلة منها الصندوق، انتهى.
و استفيد منه أيضا أن وضع الصندوق هناك كان قبل حريق المسجد في زمنه، و سبب الشيوع المذكور في تلك الخشبة ما سيأتي من أن الجذع كان قريبا من محل الأسطوانة المذكورة؛ فالظاهر أن الخشبة المذكورة كانت قريبا منه في الجدار، فجعلت في تلك الأسطوانة لقربها من المحل الأول؛ فقد روى يحيى أيضا عن أنس بن مالك أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) «كان يستمسك بعود كان في القبلة، ثم يلتفت عن يمينه و عن شماله، فإذا استوت الصفوف كبر».
[١] العرعر: جنس أشجار و جنبات من الصنوبريات، فيه أنواع تصلح للأحراج و للتزيين.