وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٦٣ - الفصل الثاني في ذرعه و حدوده التي يتميز بها عن سائر المسجد اليوم
و فيما ذكره ابن النجار مناقشة: أما ما ذكره من التحديد بالدرابزينات من جهة القبلة و بالخشبتين من جهة الشام، فالخشبتان اليوم غير معروفتين، و قد نبه على فقدهما الزين المراغي، و كلام المطري يفهمه، و لم أر لهما ذكرا في كلام المتقدمين، نعم ذكر ابن زبالة كلاما فيه غموض يقتضي تحديد بعض جهات المسجد بعودين علا الكبس على أحدهما، و أن الآخر كان موجودا في زمانه، فلعل ذلك مأخذ ابن النجار، و عبارة ابن زبالة تنبو [١] عن ذلك؛ إذ لم يذكرهما في حد جهة الشام، و الحد من هذه الجهة اليوم- على ما يعرف في زماننا- الحجران الآتي ذكرهما في صحن المسجد، و سيأتي ما يقتضي رد ذلك.
و ذكر ذلك ابن جماعة في منسكه فقال: قد عرّف المتأخرون مقدار المسجد الذي كان عليه أولا فقالوا: كان على التربيع من الحجرة المقدسة إلى مكان السارية السابعة من جهة المغرب، و من موضع الدرابزين الذي هو بين الأساطين المتصل بالصندوق أمام المصلى الشريف إلى موضع الحجرين المغروزين في صحن المسجد الشريف، انتهى.
و مستنده في ذلك قول المطري في الحجرين المذكورين يذكر أنهما حد المسجد من جهة الشام و المغرب، قال: لكنهما ليسا على سمت المنبر الشريف، بل هما داخلان إلى جهة المشرق بمقدار أربعة أذرع أو أقل، و كذا متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك، قال: لأني اعتبرت ذلك بالذرع فوجدتهما ليسا على ذرع المسجد الأول.
قلت: كونهما داخلين عن سمت المنبر إلى جهة المشرق بما ذكر لا يقدح في كونهما الحد المذكور؛ لأن المراد أن جهة المغرب هناك في سمتهما، كما أن المراد أن جهة الشام في سمتهما، لا أنها ما يحاذي الحجرين فقط، و وقع الاستغناء عن تحرير ابتداء جهة المغرب بما تقدم له نقلا عن ابن النجار من الأسطوانة التي تلي المنبر من تلك الجهة، كما استغنى بكون الحجرة الشريفة حده من جهة المشرق؛ إذ لم يذكر حد لجهة المشرق مما يلي الحجرين في جهة الشام، و في الحقيقة لم يقصد بهما سوى بيان جهة الشام، على أنه يحتمل أن مقدم المسجد كان أعرض من مؤخره كما هو موجود اليوم، فيكون الحجران حده من جهة المغرب حقيقة، و أما قوله إنهما متقدمان إلى القبلة بأربعة أذرع و إنهما ليسا على ذرع المسجد الأول يعني السبعين التي ذكرها ابن النجار فقد بناه على ما قاله أيضا من أن الدرابزينات التي ذكرها ابن النجار من جهة القبلة متقدمة على موضع الحائط القبلي؛ لأن الحائط القبلي كان محاذيا لمصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و إنما جعل هذا الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف أي بين المصلى و الدرابزينات سترة بين المقام الشريف و بين الأسطوانات، قال: و ورد أيضا أنه كان بين الحائط القبلي و بين المنبر ممر الشاة، و بين
[١] تنبو: تختلف.