وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٦٢ - الفصل الثاني في ذرعه و حدوده التي يتميز بها عن سائر المسجد اليوم
أنه ذراع غير ثمن من ذراع الحديد المستعمل بمصر و بمكة، و هو شبران تقريبا، و قد تحصلنا كما تقدم في ذرع المسجد على أربع روايات: الأولى: سبعون ذراعا في ستين أو يزيد، و الثانية: مائة ذراع في مائة، و أنه مربع، و الثالثة: أنه أقل من مائة ذراع، و هذا صادق بالأولى فليحمل عليها، الرابعة: أنه بناه أولا أقل من مائة في مائة، ثم بناه و زاد عليه مثله في الدور، و لا يصح أن يراد بذلك الأذرع قطعا؛ لأنها تقتضي أنه بعد البناء الثاني صار أحد امتداديه إما الطول أو العرض نحو مائتي ذراع، و الامتداد الآخر نحوها، و لا شك أن حد مسجده (صلّى اللّه عليه و سلم) من جهة المشرق غايته الحجرة الشريفة، فعرضه من جدارها إلى جدار المسجد الغربي، و ذرع هذا القدر اليوم بعد الزيادات المجمع عليها لا تبلغ مائة و خمسين ذراعا كما اختبرته، بل تنقص أزيد من ستة أذرع، و قد أجمع المؤرخون على أن عمر و عثمان (رضي الله عنهما) زادا في المسجد من هذه الجهة، ثم غيرهما من الخلفاء؛ فالظاهر أن المراد من هذه الرواية الأشبار لا الأذرع، فيقتضي أن المسجد النبوي بعد البناء الثاني صار أحد امتداديه مائتي شبر، و الامتداد الآخر نحوها؛ فيوافق رواية مائة ذراع في مثلها، على أن ما ذكره المتأخرون من التحديد بالأمور الآتية يقتضي أنه لم يكن مائة ذراع؛ فهو مقتض لترجيحهم الرواية الأولى، و هي سبعون ذراعا في ستين، و تكون السبعون للطول و الستون للعرض.
و قد نقل النووي ذلك في منسكه عن خارجة بن زيد أحد فقهاء المدينة السبعة، و لفظه: بنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) مسجده سبعين ذراعا في ستين أو يزيد، و هو الذي جزم به ابن النجار فقال: بنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) مسجده مربعا، و جعل قبلته إلى بيت المقدس، و طوله سبعين ذراعا في ستين ذراعا أو يزيد، انتهى.
هذا، و قد قال يحيى قبيل ما جاء في حجر أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): حدثني هارون قال:
حدثنا محمد بن يحيى- يعني صاحب مالك- قال: فيما كان انتهى إلينا من ذرع مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من القبلة إلى حده الشامي أربعة و خمسون ذراعا و ثلثا ذراع، و حده من المشرق إلى المغرب ثلاث و ستون ذراعا، يكون ذلك مكسرا ثلاثة آلاف و أربعمائة و أربعة و أربعين ذراعا، انتهى.
و قال ابن النجار: اعلم أن حدود مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)- أي: الذي كان في زمنه- من القبلة الدرابزينات التي بين الأساطين التي في قبلة الروضة، و من الشام الخشبتان المغروزتان في صحن المسجد، و أما من المشرق إلى المغرب فهو من حجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الأسطوان الذي بعد المنبر، و هو آخر البلاط، انتهى.