وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٤٠ - السنة السادسة من الهجرة
قلت: لعل في النسخة خللا لما سنذكره من ولادة إبراهيم في الثامنة و وفاته في العاشرة، فالكسوف في السادسة هو الكسوف الأول، و فيها نزل حكم الظهار، و الله أعلم.
و فيها قتل المشركون سرية محمد بن مسلمة و لم يفلت منهم غيره، و كانوا عشرة، ثم كانت سرية علي بن أبي طالب إلى فدك في مائة رجل، ثم كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، فظهر عليهم، فزوجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) تماضر بنت الأصبغ بن عمرو الكلبي و هو ملكهم، ثم أجدب الناس فاستسقى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في رمضان في موضع المصلى فسقوا، ثم أرسل زيد بن حارثة في سرية، فسبى سلمة بن الأكوع في تلك السرية بنت مالك بن حذيفة، ثم كانت الحديبية، ثم أغار عيينة بن حصن الفزاري على لقاح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فاستنقذها.
قلت: قد قدمنا في حدود الحرم أن لقاحه (صلّى اللّه عليه و سلم) كانت ترعى بالغابة و ما حولها، فأغار عليها عيينة يوم ذي قرد، و هو الموضع الذي كان فيه القتال، سميت الغزوة به، و تسمى أيضا غزوة الغابة.
قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) من غزوة بني لحيان و كان في شعبان سنة ست، لم يقم إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة في خيل من غطفان على لقاح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) بالغابة، و فيها رجل من بني غفار و امرأته، فقتلوا الرجل، و احتملوا المرأة في اللقاح، و كان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع، غدا يريد الغابة متوشحا قوسه و نبله حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية سلع، ثم صرخ: وا صباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم حتى لحقهم، فجعل يردهم بالنبل و يقول إذا رمى: خذها و أنا ابن الأكوع، و اليوم يوم الرضّع، فإذا وجهت الخيل نحوه هرب، ثم عارضهم، و هكذا، و بلغ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) صياحه، فصرخ بالمدينة: الفزع، الفزع، فترامت الخيل إليه، فلما اجتمعوا أمّر عليهم سعد بن زيد الأشهلي، و قال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس، فقتل أبو قتادة (رضي الله عنه) حبيب بن عيينة بن حصن و غشاه برده، و أقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في المسلمين، فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة و لكنه قتيل، فظنوه هو، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): ليس بأبي قتادة و لكنه قتيل له، و أدرك عكاشة بن محصن (رضي الله عنه) أوبارا و ابنه عمر بن أوبار، و هما على بعير واحد، فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعا، و استنقذوا بعض اللقاح، و سار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى نزل بالخيل من ذي قرد، و تلاحق به الناس، و أقام عليه يوما و ليلة، و قال له سلمة: يا رسول الله لو سرّحتني في مائة رجل لاستنقذت