وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٧٧ - الفصل السابع في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي
و روى الطبراني مرسلا في خبر طويل قال فيه عن عروة: ثم بعثوا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله؛ فإنه أدنى أن يتبع [١]؛ فبعث إليهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس، و يفشو الإسلام، و هم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو و مصعب بن عمير حتى أتيا مرقا أو قريبا منها، فجلسا هنالك، و بعثا إلى رهط من أهل الأرض، فأتوهم مستخفين، فبينا مصعب بن عمير يحدثهم و يقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ، فأتاهم في لأمته [٢] و معه الرمح حتى وقف عليه فقال: غلام يأتينا في دارنا، هذا الوحيد الفريد الطريد الغريب ليسفه ضعفاءنا بالباطل و يدعوهم، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا، فرجعوا، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرق أو قريبا منها فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فتوعدهم بوعيد دون الأول، فلما رأى أسعد منه اللين قال: يا ابن خالة، اسمع من قوله، فإن سمعت منكرا فاردده بأهدى منه، و إن سمعت خيرا فأجب إليه، فقال: ما ذا يقول؟ فقرأ عليه مصعب: حم (١) وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ١- ٣] فقال سعد: و ما أسمع إلا ما أعرف، فرجع و قد هداه الله، و لم يظهر أمر الإسلام حتى رجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام و أظهر إسلامه، و قال: من شك فيه من صغير أو كبير فليأتنا بأهدى منه، فو الله لقد جاء أمر لتحزّنّ فيه الرقاب، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلامه و دعائه إلا من لا يذكر فكانت أول دار من دور الأنصار أسلمت بأسرها، ثم إن بني النجار اشتدوا على أسعد بن زرارة، و أخرجوا مصعب بن عمير، فانتقل إلى سعد بن معاذ، فلم يزل يدعو و يهدي على يديه، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس، و أسلم أشرافهم، و أسلم عمرو بن الجموح، و كسرت أصنامهم، فكان المسلمون أمر أهلها، و رجع مصعب بن عمير إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) اه.
و قد روى هذه القصة ابن إسحاق عمن سمى من شيوخه بزيادة و نقص، فقال: إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل و دار بني ظفر، فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال لها بئر مرق، فجلسا فيه و اجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فلما سمع بذلك سعد بن معاذ و أسيد بن حضير- و هما يومئذ سيدا قومهما بني عبد الأشهل- و كلاهما مشرك، قال سعد لأسيد: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما و انههما عن أن يأتيا دارينا؛ فإنه لو لا أن أسعد
[١] أدنى أن يتبع: أولى أن يتبع.
[٢] اللامة: أداة الحرب كلها. و تشمل جميع أنواع السلاح.