وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٧٥ - الفصل السابع في مبدأ إكرام الله لهم بهذا النبي
فسألوه أن يرتحل معهم، فقال: حتى يأذن لي ربي، فلحقوا بأهلهم المدينة، ثم شخصوا إليه في الموسم فكان من أمر العقبة ما كان، و هو مخالف لما تقدم من أن النفر من الأوس لم يقبلوا.
و قد أخرج الحاكم و غيره بإسناد حسن عن علي (رضي الله عنه) قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب و خرج و أنا معه و أبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، و تقدم أبو بكر و كان نسابة، فقال: من القوم؟ قالوا: ربيعة، فذكر حديثا طويلا في مراجعتهم و توقفهم أخيرا عن الإجابة، ثم قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس و الخزرج، و هم الذين سماهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) الأنصار، لكونهم أجابوه إلى إيوائه و نصره، قال: فما نهضنا حتى بايعوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال ابن إسحاق في ذكر العقبة الأولى: لما أراد الله عز و جل إظهار دينه خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج، قال: أمن موالي [١] يهود؟ قالوا: نعم، قال: أ فلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، و عرض عليهم الإسلام، و كان مما صنع الله لهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، و كانوا أهل علم و كتاب، و كانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، و كانوا قد غزوهم في بلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد و إرم، فلما كلم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أولئك النفر و دعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: تعلموا إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، و قالوا له: إنا تركنا قومنا، و لا قوم بينهم من العداوة و الشر ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم ليدعوا قومهم، فلما جاءوهم لم يبق دار من دور قومهم إلا و فيها ذكر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: و هم- يعني أصحاب العقبة الأولى- فيما ذكر لي ستة نفر من الخزرج، و هم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، و عوف بن الحارث، كلاهما من بني غنم بن مالك بن النجار، و رافع بن مالك بن العجلان الزرقي، و قطبة بن عامر بن حديدة، و جابر بن عبد الله بن رئاب، و عقبة بن عامر بن نابي، و هؤلاء الثلاثة من بني سلمة.
و قال موسى بن عقبة عن الزهري و أبي الأسود عن عروة: هم أسعد بن زرارة، و معاذ بن عفراء و هي أمه، و هو ابن عمرو بن الجموح من بني غنم بن مالك بن النجار أيضا، و رافع بن مالك، و يزيد بن ثعلبة البلوي، ثم من بني غصينة حليفهم، و أبو الهيثم
[١] الموالي: المناصرين (ج) مولى.