وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٠٥ - سبب نقمة يزيد بن معاوية على أهل المدينة
نحارب، قال: لا تفعلوا و ادخلوا في الطاعة، قالوا: لا نفعل، و كانوا قد اتخذوا خندقا، فنزل منهم جماعة، و حمل ابن الغسل على الخيل حتى كشفها، و قاتلوا قتالا شديدا، و جعل مسلم يحرض أصحابه، و كان به مرض؛ فنصب له سرير بين الصفين و قال: قاتلوا عن أميركم؛ و أباح مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس و يأخذون الأموال، و رفعوا على النساء؛ و قاتل عبد الله بن مطيع حتى قتل هو و بنون له سبعة؛ و بعث برأسه إلى يزيد؛ فأفزع ما جرى من بالمدينة من أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم).
و نقل الواقدي أن القوم لما قربوا تشاور أهل المدينة في الخندق خندق رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ و شكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية؛ و عملوا في الخندق خمسة عشر يوما، و كان لقريش ما بين راتج إلى مسجد الأحزاب، و الأنصار ما بين مسجد الأحزاب إلى بني سلمة، و للموالي ما بين راتج إلى بني عبد الأشهل، فلما وصل القوم عسكروا بالجرف، و بعثوا رجالا من رجالهم، فأحدقوا بالمدينة من كل ناحية، فما يجدون مدخلا، و الناس متلبسون السلاح قد قاموا على أفواه الخنادق يرمون بالنبل و الحجارة، و جلس مسلم بناحية واقم، فرأى أمرا هائلا، فاستعان بمروان و كان وعده بوجه في ذلك لما لقيه بوادي القرى؛ فخرج مروان حتى جاء بني حارثة، فكلم رجلا منهم و رغبه في الصنيعة [١]، و قال: تفتح لنا طريقا فاكتب بذلك إلى يزيد فيصل أرحامكم، ففتح لهم طريقا من قبلهم حتى أدخل له الرجال من بني حارثة إلى بني عبد الأشهل، و جاء الخبر عبد الله بن حنظلة و كان بناحية الصورين في أصحابه، و أقبل عبد الله بن مطيع و كان من ناحية ذباب، و أقبل ابن هريرة في الموالي يطوف بهم على الخنادق، و أقبل ابن ربيعة و كان من ناحية بطحان، فاجتمعوا جميعا من حيث يدخل أهل الشام، قال محمود بن لبيد: قد حضرت يومئذ، فإنما أتينا من قومنا بني حارثة، و كان مروان حين أخرج عمل به عمل قبيح، فكلم رجلا فأدخله و معه فارس ثم جعلت الخيل تتحدر على أثره، و قد وقفنا بني عبد الأشهل فقاتلنا ما وجدنا حتى عاينا الموت و كثرت القوم و تفرق الناس فقتلوا في كل وجه.
و روى الواقدي أيضا أن قصر بني حارثة كان أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، و كانت بنو حارثة آمنين، و أول دار انتهبت و الحرب بعد لم ينقطع دار بني عبد الله الأشهل، انتهى.
و أخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء: سمعت أشياخ أهل
[١] الصنيعة: كل ما عمل من خير أو إحسان. (ج) صنائع.