دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٦٦
١ / ٣
قِصَّةُ المُباهَلَةِ بِرِوايَةِ الشَّيخِ المُفيدِ
٦.الإرشاد : لَمَّا انتَشَرَ الإِسلامُ بَعدَ الفَتحِ وما وَلِيَهُ مِنَ الغَزَواتِ المَذكورَةِ وقَوِيَ سُلطانُهُ ، وَفَدَ إلَى النَّبِيِ صلى الله عليه و آله الوُفودُ ، فَمِنهُم مَن أسلَمَ ، ومِنهُم مَنِ استَأمَنَ لِيَعودَ إلى قَومِهِ بِرَأيِهِ صلى الله عليه و آله فيهِم . وكانَ فيمَن وَفَدَ عَلَيهِ أبو حارِثَةَ اُسقُفُّ نَجرانَ في ثَلاثينَ رَجُلاً مِنَ النَّصارى ، مِنهُمُ العاقِبُ وَالسَّيِّدُ وعَبدُ المَسيحِ ، فَقَدِمُوا المَدينَةَ وَقتَ صَلاةِ العَصرِ وعَلَيهِم لِباسُ الدّيباجِ وَالصُّلُبِ ، فَصارَ إلَيهِمُ اليَهودُ ، وتَساءَلوا بَينَهُم ، فَقالَتِ النَّصارى لَهُم : لَستُم عَلى شَيءٍ ، وقالَت لَهُمُ اليَهودُ : لَستُم عَلى شَيءٍ ، وفي ذلِكَ أنزَلَ اللّهُ سُبحانَهُ : « وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْ ءٍ وَ قَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْ ءٍ » [١] إلى آخِرِ الآيَةِ . فَلَمّا صَلَّى النَّبِيُ صلى الله عليه و آله العَصرَ تَوَجَّهوا إلَيهِ يَقدُمُهُمُ الاُسقُفُ ، فَقالَ لَهُ : يا مُحَمَّدُ ، ما تَقولُ فِي السَّيِّدِ المَسيحِ ؟ فَقالَ النَّبِيُ صلى الله عليه و آله : عَبدٌ للّهِِ اصطَفاهُ وَانتَجَبَهُ . فَقالَ الاُسقُفُ : أتَعرِفُ لَهُ يا مُحَمَّدُ أبا وَلَّدَهُ ؟ فَقالَ النَّبِيُ صلى الله عليه و آله : لَم يَكُن عَن نِكاحٍ فَيَكونَ لَهُ والِدٌ . قالَ : فَكَيفَ قُلتَ : إنَّهُ عَبدٌ مَخلوقٌ ، وأَنتَ لَم تَرَ عَبدا مَخلوقا إلّا عَن نِكاحٍ ولَهُ والِدٌ ؟ ! فَأَنزَلَ اللّهُ تَعالَى الآياتِ مِن سورَةِ آلِ عِمرانَ إلى قَولِهِ : « إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ » [٢] ، فَتَلاهَا النَّبِيُ صلى الله عليه و آله عَلَى النَّصارى ودَعاهُم إلَى المُباهَلَةِ وقالَ : إنَّ اللّهَ عَزَّ اسمُهُ أخبَرَني أنَّ العَذابَ يَنزِلُ عَلَى المُبطِلِ عَقيبَ المُباهَلَةِ ويُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بِذلِكَ . فَاجتَمَعَ الاُسقُفُ مَعَ عَبدِ المَسيحِ وَالعاقِبِ عَلَى المَشوَرَةِ ، فَاتَّفَقَ رَأيُهُم عَلَى استِنظارِهِ إلى صَبيحَةِ غَدٍ مِن يَومِهِم ذلِكَ . فَلَمّا رَجَعوا إلى رِحالِهِم قالَ لَهُمُ الاُسقُفُ : اُنظُروا مُحَمَّدا في غَدٍ ، فَإِن غَدا بِوُلدِهِ وأَهلِهِ فَاحذَروا مُباهَلَتَهُ ، وإن غَدا بِأَصحابِهِ فَباهَلوهُ فَإِنَّهُ عَلى غَيرِ شَيءٍ . فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جاءَ النَّبِيُ صلى الله عليه و آله آخِذا بِيَدِ أميرِ المُؤمِنينَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ، وَالحَسَنُ وَالحُسَينُ بَينَ يَدَيهِ يَمشِيانِ ، وفاطِمَةُ ـ صَلَواتُ اللّهِ عَلَيهِم ـ تَمشي خَلفَهُ . وخَرَجَ النَّصارى يَقدُمُهُم اُسقُفُّهُم ، فَلَمّا رَأَى النَّبِيَ صلى الله عليه و آله قَد أقبَلَ بِمَن مَعَهُ سَأَلَ عَنهُم ، فَقيلَ لَهُ : هذَا ابنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ ، وهُوَ صِهرُهُ وأبو وُلدِهِ وأَحَبُّ الخَلقِ إلَيهِ ، وهذانِ الطِّفلانِ ابنا بِنتِهِ مِن عَلِيٍّ ، وهُما مِن أحَبِّ الخَلقِ إلَيهِ ، وهذِهِ الجارِيَةُ بِنتُهُ فاطِمَةُ أعَزُّ النّاسِ عَلَيهِ وأَقرَبُهُم إلى قَلبِهِ . فَنَظَرَ الاُسقُفُ إلَى العاقِبِ وَالسَّيِّدِ وعَبدِ المَسيحِ وقالَ لَهُم : اُنظُروا إلَيهِ قَد جاءَ بِخاصَّتِهِ مِن وُلدِهِ وأَهلِهِ لِيُباهِلَ بِهِم واثِقا بِحَقِّهِ ، وَاللّهِ ما جاءَ بِهِم وهُوَ يَتَخَوَّفُ الحُجَّةَ عَلَيهِ ، فَاحذَروا مُباهَلَتَهُ ، وَاللّهِ لَولا مَكانُ قَيصَرَ لَأَسلَمتُ لَهُ ، ولكِن صالِحوهُ عَلى ما يَتَّفِقُ بَينَكُم وبَينَهُ ، وَارجِعوا إلى بِلادِكُم وَارتَؤُوا لِأَنفُسِكُم . فَقالوا لَهُ : رَأيُنا لِرَأيِكَ تَبَعٌ . فَقالَ الاُسقُفُ : يا أبَا القاسِمِ ، إنّا لا نُباهِلُكَ ولكِنّا نُصالِحُكَ ، فَصالِحنا عَلى ما نَنهَضُ بِهِ . فَصالَحَهُمُ النَّبِيُ صلى الله عليه و آله عَلى ألفَي حُلَّةٍ مِن حُلَلِ الأَواقِيِّ ، قيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ أربَعونَ دِرهَما جِيادا ، فَما زادَ أو نَقَصَ كانَ بِحِسابِ ذلِكَ ، وكَتَبَ لَهُمُ النَّبِيُ صلى الله عليه و آله كِتابا بِما صالَحَهُم عَلَيهِ ، وكانَ الكِتابُ : «بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، هذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسولِ اللّهِ لِنَجرانَ وحاشِيَتِها ، في كُلِّ صَفراءَ وبَيضاءَ وثَمَرَةٍ ورَقيقٍ ، لا يُؤخَذُ مِنهُ شَيءٌ مِنهُم غَيرُ ألفَي حُلَّةٍ مِن حُلَلِ الأَواقِيِّ ، ثَمَنُ كُلِّ حُلَّةٍ أربَعونَ دِرهَما ، فَما زادَ أو نَقَصَ فَعَلى حِسابِ ذلِكَ ، يُؤَدّونَ ألفا مِنها في صَفَرٍ وأَلفا مِنها في رَجَبٍ ، وعَلَيهِم أربَعونَ دينارا مثواة رسولي مِمّا فَوقَ ذلِكَ ، وعَلَيهِم في كُلِّ حَدَثٍ يَكونُ بِاليَمَنِ مِن كُلِّ ذي عَدَنٍ [٣] عارِيَّةً مَضمونَةً ؛ ثَلاثونَ دِرعا وثَلاثونَ فَرَسا وثَلاثونَ جَمَلاً عارِيَّةً مَضمونَةً ، لَهُم بِذلِكَ جِوارُ اللّهِ وذِمَّةُ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللّهِ ، فَمَن أكَلَ الرِّبا مِنهُم بَعدَ عامِهِم هذا فَذِمَّتي مِنهُ بَريئَةٌ» . وأَخَذَ القَومُ الكِتابَ وَانصَرَفوا . [٤]
[١] البقرة : ١١٣ . [٢] آل عمران : ٥٩ ـ ٦١ . [٣] عَدَنَ فلانٌ بالمكان : أقام ، وعَدَنتُ البلَدَ : تَوَطّنتُه (لسان العرب : ج ١٣ ص ٢٧٩ «عدن») . [٤] الإرشاد : ج ١ ص ١٦٦ وراجع : تاريخ اليعقوبي : ج ٢ ص ٨٢ .