دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٧٤
٨.المناقب لابن شهر آشوب : كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله يَعرِضُ نَفسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ في المَوسِمِ ، فَلَقِيَ رَهطا مِنَ الخَزرَجِ فَقالَ : ألا تَجلِسونَ اُحَدِّثُكُم ؟ قالوا : بَلى ، فَجَلَسوا إلَيهِ فَدَعاهُم إلَى اللّهِ ، وتَلا عَلَيهِمُ القُرآنَ ، فَقالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ : يا قَومِ تَعَلَّموا ، وَاللّهِ إنَّهُ النَّبِيُّ الَّذي كانَ يوعِدُكُم بِهِ اليَهودُ ، فَلا يَسبِقَنَّكُم إلَيهِ أحَدٌ . فَأَجابوهُ ، وقالوا لَهُ : إنّا قَد تَرَكنا قَومَنا ولا قَومَ بَينَهُم مِنَ العَداوَةِ وَالشَّرِّ مِثلَما بَينَهُم ، وعَسى أن يَجمَعَ اللّهُ بَينَهُم بِكَ ، فَتَقدَمُ [١] عَلَيهِم وتَدعوهُم إلى أمرِكَ . وكانوا سِتَّةَ نَفَرٍ . قالَ : فَلَمّا قَدِمُوا المَدينَةَ فَأَخبَروا قَومَهُم بِالخَبرِ ، فَما دارَ حَولٌ إلّا وفيها حَديثُ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، حَتّى إذا كانَ العامُ المُقبِلُ أتَى المَوسِمَ مِنَ الأَنصارِ اثنا عَشَرَ رَجُلاً ، فَلَقُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله فَبايَعوهُ عَلى بَيعَةِ النِّساءِ : ألّا يُشرِكوا بِاللّهِ شَيئا ، ولا يَسرِقوا ، إلى آخِرِها . ثُمَّ انصَرَفوا ، وبَعَثَ مَعَهُم مُصعَبَ بنَ عُمَيرٍ يُصَلّي بِهِم ، وكانَ بَينَهُم بِالمَدينَةِ يُسَمَّى المُقرِئَ ، فَلَم يَبقَ دارٌ فِي المَدينَةِ إلّا وفيها رِجالٌ ونِساءٌ مُسلِمونَ ، إلّا دارُ اُمَيَّةَ وحُطَيمَةَ ووائِلٍ ، وهُم مِنَ الأَوسِ . ثُمَّ عادَ مُصعَبٌ إلى مَكَّةَ ، وخَرَجَ مَن خَرَجَ مِنَ الأَنصارِ إلَى المَوسِمِ مَعَ حُجّاجِ قَومِهِم ، فَاجتَمَعوا فِي الشِّعبِ عِندَ العََقبَةِ ؛ ثَلاثَةٌ وسَبعونَ رَجُلاً وَامرَأَتانِ في أيّامِ التَّشريقِ بِاللَّيلِ . فَقالَ صلى الله عليه و آله : اُبايِعُكُم عَلَى الإِسلامِ . فَقالَ لَهُ بَعضُهُم : نُريدُ أن تُعَرِّفَنا يا رَسولَ اللّهِ ؛ ما للّهِِ عَلَينا ، وما لَكَ عَلَينا ، وما لَنا عَلَى اللّهِ . فَقالَ : أمّا للّهِِ عَلَيكُم فَأَن تَعبُدوهُ ولا تُشرِكوا بِهِ شَيئا ، وأَمّا ما لي عَلَيكُم فَتَنصُرونَني مِثلَ نِسائِكُم وأَبنائِكُم ، وأن تَصبِروا عَلى عَضِّ السَّيفِ وإن يُقتَلَ خِيارُكُم . قالوا : فَإِذا فَعَلنا ذلِكَ ما لَنا عَلَى اللّهِ ؟ قالَ : أمّا فِي الدُّنيا فَالظُّهورُ عَلى مَن عاداكُم ، وفِي الآخِرَةِ الرِّضوانُ وَالجَنَّةُ . فَأَخَذَ البَراءُ بنُ مَعرورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ : وَالَّذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ! لَنَمنَعُكَ بِما نَمنَعُ بِهِ اُزُرَنا [٢] ؛ فَبايِعنا يا رَسولَ اللّهِ ؛ فَنَحنُ ـ وَاللّهِ ـ أهلُ الحُروبِ وأَهلُ الحِلفَةِ [٣] ، وَرِثناها كِبارا عَن كِبارٍ . فَقالَ أبُو الهَيثَمِ : إنَّ بَينَنا وبَينَ الرِّجالِ حِبالاً ، وإنّا إن قَطَعناها أو قَطَعوها فَهَل عَسَيتَ إن فَعَلنا ذلِكَ ثُمَّ أظهَرَكَ اللّهُ أن تَرجِعَ إلى قَومِكَ وتَدَعَنا ؟ فَتَبَسَّمَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، ثُمَّ قالَ : بَلِ الدَّمُ الدَّمُ ، وَالهَدمُ الهَدمُ ، اُحارِبُ مَن حارَبتُم ، واُسالِمُ مَن سالَمتُم . ثُمَّ قالَ : أخرِجوا إلَيَّ مِنكُمُ اثنَي عَشَرَ نَقيبا . فَاختاروا . ثُمَّ قالَ : اُبايِعُكُم كَبَيعَةِ عيسَى بنِ مَريَمَ لِلحَوارِيّينَ كُفَلاءَ عَلى قَومِهِم بِما فيهِم ، وعَلى أن تَمنَعوني مِمّا تَمنَعونَ مِنهُ نِساءَكُم وأَبناءَكُم . فَبايَعوهُ عَلى ذلِكَ . فَصَرَخَ الشَّيطانُ فِي العَقَبَةِ : يا أهلَ الجَباجِبِ [٤] ، هَل لَكُم في مُحَمَّدٍ وَالصُّباةِ [٥] مَعَهُ ؟ قَدِ اجتَمَعوا عَلى حَربِكُم . ثُمَّ نَفَرَ النّاسُ مِن مِنىً ، وفَشَا الخَبَرُ ، فَخَرَجوا فِي الطَّلَبِ ، فَأَدرَكوا سَعدَ بنَ عُبادَةَ وَالمُنذِرَ بنَ عَمرٍو ، فَأَمَّا المُنذِرُ فَأَعجَزَ [٦] القَومَ ، وأمّا سَعدٌ فَأَخَذوهُ ورَبَطوهُ بِنِسعِ [٧] رَحلِهِ ، وأَدخَلوهُ مَكَّةَ يَضرِبونَهُ ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ إلى جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ وَالحارِثِ بنِ حَربِ بنِ اُمَيَّةَ ، فَأَتَياهُ وخَلَّصاهُ . وكانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله لَم يُؤمَر إلّا بِالدُّعاءِ وَالصَّبرِ عَلَى الأَذى ، وَالصَّفحِ عَنِ الجاهِلِ ، فَطالَت قُرَيشٌ عَلَى المُسلِمينَ ، فَلَمّا كَثُرَ عُتُوُّهُم اُمِرَ بِالهِجرَةِ . فَقالَ صلى الله عليه و آله : إنَّ اللّهَ قَد جَعَلَ لَكُم دارا وإخوانا تَأمَنونَ بِها . فَخَرَجوا أرسالاً [٨] حَتّى لَم يَبقَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله إلّا عَلِيٌّ وأبو بَكرٍ ، فَحَذَرَت قُرَيشٌ خُروجَهُ ، وعَرَفوا أنَّهُ قَد أجمَعَ لِحَربِهِم ، فَاجتَمَعوا في دارِ النَّدوَةِ ـ وهِيَ دارُ قُصَيِّ بنِ كِلابٍ ـ يَتَشاوَرونَ في أمرِهِ. [٩]
[١] في بحارالأنوار : «فَسَتَقدَمُ» . [٢] اُزُرَنا : أي نساءنا وأهلنا (النهاية : ج ١ ص ٤٥ «أزر») . [٣] الحِلْفَة ـ بالكسر ـ : الحِلف والمعاقدة والمعاهدة على التضاعد والمساعدة . ولعلّ الصواب : « الحَلْقَة » ـ بالفتح ـ كما في بعض المتون ، وهي السلاح عامّةً أو الدروع خاصّةً ، وهو أظهر ( راجع : غريب الحديث لابن قتيبة : ج ١ ص ٢٥٢ والصحاح : ج ٤ ص ١٤٦٢ ولسان العرب : ج ١٠ ص ٦٥ ) . [٤] الجَباجِبُ : جمع جُبجُب ، وهو المستوي من الأرض ليس بِحَزن ، وهي أسماء منازل بمنى (النهاية : ج ١ ص ٢٣٤ «جبجب») . [٥] يقال : صبأ فلان ؛ إذا خرج من دينٍ إلى دينٍ غيره ... ويسمّون المسلمين : الصُّباة (النهاية : ج ٣ ص ٣ «صبأ») . [٦] أعجَزَني فُلانٌ : أي فاتني (لسان العرب : ج ٥ ص ٣٧٠ «عجز») . [٧] النِّسعُ : سَير مَظفور ، يُجعل زماما للبعير (النهاية : ج ٥ ص ٤٨ «نسع») . [٨] أرسالاً: أي أفواجا وفِرقا متقطّعة يَتبع بعضهم بَعضاً (مجمع البحرين: ج ٢ ص ٧٠٠ «رسل») . [٩] المناقب لابن شهر آشوب : ج ١ ص ١٨١ ، بحار الأنوار : ج ١٩ ص ٢٥ ح ١٥ .