دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٩٢
٢ / ٥
اِحتِجاجُ الإِمامِ عَلِيِّ بنِ موسى عليه السّلام
٢١.عيون أخبار الرضا عليه السلام عن الريّان بن الصلت : حَضَرَ الرِّضا عليه السلام مَجلِسَ المَأمونِ بِمَروَ ، وقَدِ اجتَمَعَ في مَجلِسِهِ جَماعَةٌ مِن عُلَماءِ أهلِ العِراقِ وخُراسانَ . فَقالَ المَأمونُ : أخبِروني عَن مَعنى هذِهِ الآيَةِ : « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا » [١] ، فَقالَتِ العُلَماءُ : أرادَ اللّهُ عز و جل بِذلِكَ الاُمَّةَ كُلَّها . فَقالَ المَأمونُ : ما تَقولُ يا أبَا الحَسَنِ ؟ فَقالَ الرِّضا عليه السلام : لا أقولُ كَما قالوا ، ولكِنّي أقولُ : أرادَ اللّهُ عز و جل بِذلِكَ العِترَةَ الطّاهِرَةَ . فَقالَ المَأمونُ : وكَيفَ عَنَى العِترَةَ مِن دونِ الاُمَّةِ ؟ فَقالَ لَهُ الرِّضا عليه السلام : إنَّهُ لَو أرادَ الاُمَّةَ لَكانَت أجمَعُها فِي الجَنَّةِ ، لِقَولِ اللّهِ عز و جل : « فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَ مِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ » [٢] ، ثُمَّ جَمَعَهُم كُلَّهُم فِي الجَنَّةِ فَقالَ عز و جل : « جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ » [٣] الآيَةَ ، فَصارَتِ الوِراثَةُ لِلعِترَةِ الطّاهِرَةِ لا لِغَيرِهِم . فَقالَ المَأمونُ : مَنِ العِترَةُ الطّاهِرَةُ ؟ فَقالَ الرِّضا عليه السلام : الَّذينَ وَصَفَهُمُ اللّهُ في كِتابِهِ ، فَقالَ عز و جل : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » [٤] ، وهُمُ الَّذينَ قالَ رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله : «إنّي مُخَلِّفٌ فيكُمُ الثَّقَلَينِ : كِتابَ اللّهِ وعِترَتي أهلَ بَيتي ، ألا وإنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ ، فَانظُروا كَيفَ تُخَلِّفُونّي فيهِما ، أيُّهَا النّاسُ! لا تُعَلِّموهُم فَإِنَّهُم أعلَمُ مِنكُم» . قالَتِ العُلَماءُ : أخبِرنا يا أبَا الحَسَنِ عَنِ العِترَةِ ، أهُمُ الآلُ أم غَيرُ الآلِ ؟ فَقالَ الرِّضا عليه السلام : هُمُ الآلُ . فَقالَتِ العُلَماءُ : فَهذا رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله يُؤثَرُ عَنهُ أنَّهُ قالَ : «اُمَّتي آلي» ، وهؤُلاءِ أصحابُهُ يَقولونَ بِالخَبَرِ المُستَفاضِ الَّذي لا يُمكِنُ دَفعُهُ : آلُ مُحَمَّدٍ اُمَّتُهُ . فَقالَ أبُو الحَسَنِ عليه السلام : أخبِروني ، فَهَل تَحرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى الآلِ ؟ فَقالوا : نَعَم . قالَ : فَتَحرُمُ عَلَى الاُمَّةِ ؟ قالوا : لا . قالَ : هذا فَرقُ ما بَينَ الآلِ وَالاُمَّةِ . وَيحَكُم! أينَ يُذهَبُ بِكُم ، أضَرَبتُم عَنِ الذِّكرِ صَفحا أم أنتُم قَومٌ مُسرِفونَ [٥] ؟! أما عَلِمتُم أنَّهُ وَقَعَتِ الوِراثَةُ وَالطَّهارَةُ عَلَى المُصطَفَينِ المُهتَدينَ دونَ سائِرِهِم ؟ قالوا : ومِن أينَ يا أبَا الحَسَنِ ؟ فَقالَ : مِن قَولِ اللّهِ جَلَّ وعَزَّ : « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَ إِبْرَاهِيمَ وَ جَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ » [٦] ، فَصارَت وِراثَةُ النُّبُوَّةِ وَالكِتابِ لِلمُهتَدينَ دونَ الفاسِقينَ ، أما عَلِمتُم أنَّ نوحا حينَ سَأَلَ رَبَّهُ عز و جل « فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ » [٧] وذلِكَ أنَّ اللّهَ عز و جل وَعَدَهُ أن يُنجِيَهُ وأَهلَهُ ، فَقالَ رَبُّهُ عز و جل : «يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْئلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ » [٨] ؟ فَقالَ المَأمونُ : هَل فَضَّلَ اللّهُ العِترَةَ عَلى سائِرِ النّاسِ ؟ فَقالَ أبُو الحَسَنِ عليه السلام : إنَّ اللّهَ عز و جل أبانَ فَضلَ العِترَةِ عَلى سائِرِ النّاسِ في مُحكَمِ كِتابِهِ. فَقالَ لَهُ المَأمونُ : أينَ ذلِكَ مِن كِتابِ اللّهِ ؟ فَقالَ لَهُ الرِّضا عليه السلام : في قَولِ اللّهِ عز و جل : «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » [٩] ، وقالَ عز و جل في مَوضِعٍ آخَرَ : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا » [١٠] . ثُمَّ رَدَّ المُخاطَبَةَ في أثَرِ هذِهِ إلى سائِرِ المُؤمِنينَ ، فَقالَ : «يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنكُمْ » [١١] ؛ يَعنِي الَّذينَ قَرَنَهُم بِالكِتابِ وَالحِكمَةِ وحُسِدوا عَلَيهِما ، فَقَولُهُ عز و جل : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا » ؛ يَعنِي الطّاعَةَ لِلمُصطَفَينِ الطّاهِرينَ ، فَالمُلكُ هاهُنا هُوَ الطّاعَةُ لَهُم . فَقالَتِ العُلَماءُ : فَأَخبِرنا هَل فَسَّرَ اللّهُ عز و جل الاِصطِفاءَ فِي الكِتابِ ؟ فَقالَ الرِّضا عليه السلام : فَسَّرَ الاِصطِفاءَ فِي الظّاهِرِ سِوَى الباطِنِ فِي اثنَي عَشَرَ مَوطِنا ومَوضِعا ، فَأَوَّلُ ذلِكَ قَولُهُ عز و جل : «وَ أَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » [١٢] ورَهطَكَ [١٣] المُخلِصينَ ، هكَذا في قِراءَةِ اُبَيِّ بنِ كَعبٍ ، وهِيَ ثابِتَةٌ في مُصحَفِ عَبدِ اللّهِ بنِ مَسعودٍ ، وهذِهِ مَنزِلَةٌ رَفيعَةٌ وفَضلٌ عَظيمٌ وشَرَفٌ عالٍ ، حينَ عَنَى اللّهُ عز و جلبِذلِكَ الآلَ ، فَذَكَرَهُ لِرَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله ، فَهذِهِ واحِدَةٌ . وَالآيَةُ الثّانِيَةُ فِي الاصطِفاءِ قَولُهُ عز و جل : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » [١٤] ، وهذَا الفَضلُ الَّذي لا يَجهَلُهُ أحَدٌ إلّا مُعانِدٌ ضالٌّ ؛ لِأَنَّهُ فَضَّلَ بَعدَ طَهارَةٍ تُنتَظَرُ ، فَهذِهِ الثّانِيَةُ . وأمَّا الثّالِثَةُ فَحينَ مَيَّزَ اللّهُ الطّاهِرينَ مِن خَلقِهِ ، فَأَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه و آله بِالمُباهَلَةِ بِهِم في آيَةِ الاِبتهِالِ ، فَقالَ عز و جل : يا مُحَمَّدُ «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ » [١٥] ، فَبَرَّزَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله عَلِيّا وَالحَسَنَ وَالحُسَينَ وفاطِمَةَ صَلَواتُ اللّهِ عَلَيهِم ، وقَرَنَ أنفُسَهُم بِنَفسِهِ ، فَهَل تَدرونَ ما مَعنى قَولِهِ عز و جل : «وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ» ؟ قالَتِ العُلَماءُ : عَنى بِهِ نَفسَهُ . فَقالَ أبُو الحَسَنِ عليه السلام : غَلِطتُم ، إنَّما عَنى بِها عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ عليه السلام ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذلِكَ قَولُ النَّبِيِ صلى الله عليه و آله حينَ قالَ : «لَيَنتَهِيَنَّ بَنو وَليعَةَ أو لَأَبعَثَنَّ إلَيهِم رَجُلاً كَنَفسي» ؛ يَعني عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ عليه السلام ، وعَنى بِالأَبناءِ الحَسَنَ وَالحُسَينَ عليهماالسلام ، وعَنى بِالنِّساءِ فاطِمَةَ عليهاالسلام [١٦] ، فَهذِهِ خُصوصِيَّةٌ لا يَتَقَدَّمُهُم فيها أحَدٌ ، وفَضلٌ لا يَلحَقُهُم فيهِ بَشَرٌ ، وشَرَفٌ لا يَسبِقُهُم إلَيهِ خَلقٌ ، إذ جَعَلَ نَفسَ عَلِيٍ عليه السلام كَنَفسِهِ ، فَهذِهِ الثّالِثَةُ ... . [١٧]
[١] فاطر : ٣٢ . [٢] فاطر : ٣٢ . [٣] فاطر : ٣٣ . [٤] الأحزاب : ٣٣ . [٥] اقتباس من قوله تعالى في سورة الزخرف الآية ٥ . [٦] الحديد : ٢٦ . [٧] هود : ٤٥ . [٨] هود : ٤٦ . [٩] آل عمران : ٣٣ و ٣٤ . [١٠] النساء : ٥٤ . [١١] النساء : ٥٩ . [١٢] الشعراء : ٢١٤ . [١٣] رَهطُ الرجلِ : قومه وقبيلته (الصحاح : ج ٣ ص ١١٢٨ «رهط») . [١٤] الأحزاب : ٣٣ . [١٥] آل عمران : ٦١ . [١٦] ليس في الأمالي : «وعنى بالأبناء الحسن والحسين عليهماالسلام وعنى بالنساء فاطمة عليهاالسلام» واللفظ فيه بعده هكذا : «فهذه خصوصية لا يتقدّمه فيها أحد ، وفضل لا يلحقه فيه بشر ، وشرف لا يسبقه إليه خلق أن جعل نفس علي كنفسه» . [١٧] عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج ١ ص ٢٢٩ ـ ٢٣٢ ح ١ ، الأماليللصدوق : ص ٦١٥ ح ٨٤٣ ، تحف العقول : ص ٤٢٥ نحوه ، بحار الأنوار : ج ٢٥ ص ٢٢٠ ح ٢٠ .