الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٦ - كلامٌ للعلاّمة القضاعىّ المصرىّ
الوحدانية بمعنى عدم وجود نظير لها في سواه عزّوجلّ، كما مرّ مفصّلا في المقصد.
و إن كانت التسوية في استحقاقها للعبادة فهو يستلزم اعتقاد الاشتراك فيما به الاستحقاق، و هو صفات الإلوهية أو بعضها، و إن كانت في العبادة نفسها فهي لا تكون من العاقل إلاّ لمن يعتقد استحقاقه لها كربّ العالمين، تعالى اللّه عمّا يشركون.
و كيف يُنفى عنهم اعتقاد الربوبية بآلهتهم و قد اتّخذوها أنداداً و أحبّوها كحبّ اللّه كما قال تعالى فيهم: (وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَنداداً يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللّهِ...)[١]. و الأنداد جمع ندٍّ و هوعلى ما قاله أهل التفسير و اللغة المثل المناوي، فهذا ينادى عليهم أنّهم اعتقدوا فيها ضرباً من المقاومة للحقّ، تعالى عمّا يقولون.
أمّا قوله تعالى فيهم: (وَ لَئن سَأَلتَهُمْ مَن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللّهُ...)[٢] و نحوه، فليس معناه أنهم لا يثبتون لآلهتهم ربوبية و لا خاصّة من خواصّها، بل معناه أنّهم إذا نوقشوا اعترفوا بالحقّ الّذي فطر اللّه عليه النفوس، و دلّت عليه الكائنات، ثم ما أسرع ما يرجعون إلى اعتقاد الربوبية الباطلة في آلهتهم، فينتكسون و يرتكسون كما قال عنهم في آية أُخرى: (يَعرِفُونَ نِعمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَها وَ أَكثرُهُمُ الكافِرُونَ)[٣] وكقوله تعالى في طائفة منهم: (...كُلَّ ما رُدُّوا إلَى الْفِتنَةِ أُركِسُوا فيها...)[٤] و ليس ذلك بعجيب ممّن اتخذ إلهه هواه، و إنك لتشاهد بين أهل الأهواء من تناقشه في بدعته و يصغي إليك فيقتنع بالحجّة وقت المناقشة و يعترف بمخالفته للحقّ و تظهر فيه مخايل الإنصاف، فإذا انقضى المجلس عاد إلى ما ألِف من الهوى، و ارتكس في
[١] البقرة: ١٦٥.
[٢] الزخرف: ٨٧.
[٣] النحل: ٨٣.
[٤] النساء: ٩١.