الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٤ - الأحاديث الشريفة و زيارة القبور
و يحتمل أن تكون العلّة شيئاً آخر، و هو أنّ المسلمين كانوا حديثي العهد بالإسلام، فكانوا ينوحون على قبور موتاهم نياحة باطلة تُخرجهم عن نطاق الشريعة، و لمّا تمركز الإسلام في قلوبهم و أنِسُوا بالشريعة و الأحكام، ألغى النبيـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأمر اللّه تعالى النهي عن زيارة القبور، لما فيها من الآثار الحسنة و النتائج الطيّبة، و لهذا روى أصحاب الصحاح و السُّنن أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:
١ ـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنْ زيارَة الْقُبُور، فَزُورُوها فَإنَّها تُزَهِّدُ في الدُّنْيا وَ تُذَكِّرُ الآخِرة».[١]
و على هذا الأساس كانـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يزور قبر أُمّه السيّدة آمنة بنت وهب ـ رضوان اللّه عليها ـ و كان يأمر الناس بزيارة القبور، لأنّ زيارتها تُذكّر الآخرة.
و قد روى مسلم في صحيحه:
٢ ـ «زارَ النَّبِىُّ قَبْرَ أُمَّةِ، فَبَكى وَ أَبْكى مَنْ حَوْلَهُ... وَ قالَ: اسْتَأذنْتُ رَبِّي في أنْ أزُورَ قَبْرَها، فأَذِنَ لي، فَزُوروا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ».[٢]
[١] السُّنن لابن ماجة: ١/١١٤، طبعة الهند باب ما جاء في زيارة القُبور ; سنن، الترمذي: ٣ / ٢٧٤، أبواب الجنائز المطبوع مع شرح ابن العربي المالكي.
يقول الترمذي ـ بعد نقل هذا الحديث عن بريدة ـ: «حديث بريدة صحيح و العمل على هذا عند أهل العلم، و لا يرون بزيارة القبور بأساً، و هو قول ابن المبارك و الشافعي و إسحاق».
و في هذا المجال يحسن مراجعة المصادر الآتية:
[١] صحيح مسلم: ٣/٦٥ باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه .
[٢] سنن أبي داود: ٢/١٩٥ كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
[٣] صحيح مسلم: ٤/٧٣ كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
[٢] سُنن أبي داود: ٢/١٩٥ كتاب الجنائز طبعة مصر; صحيح مسلم: ٣ / ٦٥، باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه; سنن ابن ماجة: ١ / ١١٤.
أقول: إنّ السبب الّذي يذكرونه لاستئذان النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ـ زيارة قبر أُمّه هو ـ كما يزعمون ـ لأنّ أُمّه كانت مشركة، ولكن الثابت الذي لا ريب فيه هو أنّ أُمّ النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ـ كانت كآبائه و أجداده من أهل الإيمان و التوحيد، من هنا فانّ هذا التوجيه و التفسير مخالف لأُصول العقيدة الإسلامية و يمكن أن يكون له تفسير آخر.