تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٩٣ - ٩٣٩٠ ـ عكرشة بنت الأطش بن رواحة
فلما [رآه قاموا وفزعوا إليه فأعلموه ، فتناوم][١] ومضى معاوية فلما كان من الغد بعث إلى يزيد : إن مكان القوم لم يخف عليّ عندك ، فلا تعاودن ذلك ، فلم يعاوده ومضى إلى عبد الله بن جعفر فسأله إخراجهم إليه ، ففعل ، وغنّوه وخرجت عمّارة فغنته فشغف بها وهمّ بطلبها منه ، ثم أمسك خوفا من أبيه ، وكراهية أن يردّه ابن جعفر ، ولم تزل في نفسه حتى ولي الخلافة ، فوجه إليه سائب خاثر فأقام عنده أياما ، ثم ذكر له يزيد أمرها وما في نفسه منها ، فقال له : عبد الله من قد علمت ، وهو بعيد المرام ، ولست أقدم عليه ، ولا مثلي يجسر على مخاطبته في مثل هذا ، ولكن عليك ببديح ، فدعا به وأبثّه سرّه ، وسأله السعي له في ذلك ، فلمّا قدم عليه عبد الله بن جعفر صار إليه بديح فقال له : إنك قد جنيت على نفسك جناية أنت فيها على حالين من مفارقة لذة لك وحال تؤثرها أو سقوط الجاه وخيبة الوفادة وعداوة الخليفة. قال له : ويحك وفيم ذلك؟ فأخبره بالقصة ، فقال له : أخرجت أحسن الناس وجها وغناء إلى شاب مترف غزل فهويها ، وذهبت بعقله كلّ مذهب ، فكتم ما يلقى خوفا من أبيه طول هذه المدة ، فاختر الجارية أو رأيه. قال له : فما الرأي عندك؟ قال : الرأي عندي أن تدعني أمضي إليه فأخبره أنّي قد أشرت عليك أن تهديها له ، كأنّك لم تعلم بذات نفسه ، وتبعث بها إليه ابتداء فيكون ذلك أجمل من أن تجشّمه مسألة وشكوى بث ، وتتسلى عنها ، فإنّ لك في الجواري عوضا ، فقال ابن جعفر : لا والله ما لي منها عوض ، وإن فراقها لفراق السرور ما بقيت ، ولكن أفعل. فدخل بديح إلى يزيد مبادرا ، وبشّره بالقصة ؛ فلما كان الليل بعث بها أبو جعفر إليه ، وقد زيّنها وحلّاها ، وبعث بها مع قيّمة جواريه ، وأمرها أن تقول له : هذه الجارية كنت ملكتها وهي رضى لك ، ورأيت أن أؤثرك بها ، فبارك الله لك ، وسرّك.
فلما وصلت إليه عظم قدر ابن جعفر [عنده][٢] ووهب لبديح ألفي دينار ، وقضى حوائج ابن جعفر لوفادته وزاده خمسمائة ألف درهم [٣].
قال أبو الفرج : كانت عمّارة من أحسن الناس وجها وغناء ، وأخذت عن ابن سريج وابن
[١] بياض بالأصل والزيادة استدركت عن المطبوعة ، وفي «ز» : رآه .... فأعلموه ... ومضى.
[٢] سقطت من الأصل وزيدت عن «ز».
[٣] قصة عمارة جارية عبد الله بن جعفر ذكرها المصنف بطولها من طريق آخر في ترجمة عبد الله بن جعفر ٢٧ / ٢٨٦ وما بعدها نقلا عن المعافى بن زكريا القاضي. وقد ذكرها القاضي الجريري في كتابه الجليس الصالح الكافي ٢ / ٣٣٦ وما بعدها.