تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٣٢ - ٨٨٤٠ ـ أبو مشجعة بن ربعي الجهني
الناس [أكرموا الناس][١] إن خياركم أصحابي ، ثم الذين يلونهم ألا ثم الذين يلونهم ، ألا ثم يظهر الكذب ويكثر الحلف حتى يحلف الرجل وإن لم يستحلف ، ويشهد وإن لم يستشهد ، ألا فمن أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة ، يد ربّكم على الجماعة ، ألا وإن الشيطان ذئب بني آدم ، فهو مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ، ألا لا يخلونّ رجل بامرأة لا تحلّ له إلّا كان الشيطان ثالثهما ، ألا ومن ساءته سيئاته وسرته حسناته فهو مؤمن» قمت فيكم بقدر ما قام به النبي ٦ فينا.
ثم ارتحل حتى نزل أذرعات [٢] وقد ولّى على الشام يزيد بن أبي سفيان ، فدعا بغدائه ، فلما فرغ من الثريد ، وضعت بين يديه قصعة أخرى ، فصاح وقال : ما هذا؟ فأرسل يزيد إلى معاوية وكان صاحب أمره ، فقال معاوية : ما الذي أنكرت يا أمير المؤمنين؟ قال : ما بالي توضع بين يدي قصعة ثم ترفع وتوضع أخرى؟ قال : يا أمير المؤمنين إنك هبطت أرضا كثيرة الأطعمة فخفت عليك وخامتها ، فأشر إلى أيّها شئت حتى ألزمكه ، فأشار إلى الثريد ، فقال قسطنطين لمعاوية : جاد ما خرجت منها.
فلما فرغ من غدائه قام قسطنطين ـ وهو صاحب بصرى ـ بين يديه فقال : يا أمير المؤمنين إن أبا عبيدة قد فرض عليّ الخراج ، فاكتب لي به ، فأنكر عمر ذلك ، وقال : وما فرض عليك؟ قال : فرض عليّ أربعة دراهم وعباءة على كل جلجلة ـ يعني الجماجم ـ فقال عمر لأبي عبيدة : ما يقول هذا؟ قال : كذب ، ولكني كنت صالحته على ما ذكر ليستمتع به المسلمون في شتائهم هذا ، ثم تقدم أنت فتكون الذي يفرض عليهم الخراج ، فقال له عمر : أبو عبيدة أصدق عندنا منك ، فقال قسطنطين : صدق أبو عبيدة ، وكذبت أنا ، قال : فويحك ما أردت بمقالتك؟ قال : أردت أن أخدعك ، ولكن افرض عليّ يا أمير المؤمنين ، أنت علينا [٣] الآن قال : فجاثاه الفتى [٤] مجاثاة الخصم عامّة النهار ، ففرض على الغني ثمانية وأربعين [درهما][٥] ، وعلى الوسط أربعة وعشرين ، وعلى المفلس المدقع اثني عشر ، وشرط عليهم عمر أن يشاطرهم منازلهم وينزل فيها المسلمون ، وعلى أن لا يضربوا بناقوس ، ولا يرفعوا
[١] الزيادة عن الجليس الصالح.
[٢] أذرعات : بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان (معجم البلدان).
[٣] تقرأ بالأصل : «عفا» والمثبت عن مختصر ابن منظور ، وسقطت الكلمة من الجليس الصالح.
[٤] في الجليس الصالح : النبطي.
[٥] زيادة عن الجليس الصالح للإيضاح.