تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٦٤ - ٨٧٨٧ ـ أبو لهب وهو لقب ، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وكنيته أبو عتبة ، وأبو عتيبة ، وأبو معتب ، القرشي ، الهاشمي
والعبّاس ، وأبو لهب الكافر الخبيث فقدمت إليهم تلك الجفنة ، فأخذ منها رسول الله ٦ حذية [١] فشقّها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال : «كلوا بسم الله». فأكل القوم حتى نهلوا عنه ، ما يرى إلّا آثار أصابعهم ، والله إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ٦ : «اسقهم يا علي». فجئت بذلك القعب [٢] ، فشربوا حتى نهلوا جميعا ، وأيم الله ، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ٦ أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لهدّما [٣] سحركم صاحبكم! فتفرّقوا ولم يكلمهم رسول الله ٦ ، فلما كان الغد قال رسول الله ٦ : «يا علي ، عدّ لنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشّراب ، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قبل أن أكلم القوم». ففعلت ، ثم جمعتهم له ، فصنع رسول الله ٦ كما صنع بالأمس ، فأكلوا حتى نهلوا عنه ، ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القعب حتى نهلوا عنه ، وأيم الله ، إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ، ويشرب مثله ، ثم قال رسول الله ٦ : «يا بني عبد المطّلب ، والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة» [٤].
فكان ما أخفى النبي ٦ أمره واستسرّ به إلى أن أمر بإظهاره ثلاث سنين من مبعثه.
وعن ابن عباس قال [٥] : لما أنزل الله (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) أتى رسول الله ٦ الصفا فصعد عليها ثم نادى [٦] :
«يا صباحاه». فاجتمعت إليه قريش فقالوا له : ما لك؟ قال : «أرأيتم لو أخبركم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم ، أما كنتم تصدقوني»؟ قالوا : بلى ، قال : «فإني نذير لكم ، بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب : تبا لك ، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ)[٧] إلى آخر السورة.
[وفي [٨] رواية عنه أيضا : قام رسول الله ٦ فقال :
[١] الحذية من اللحم ما قطع طولا ، وقيل : هي القطعة الصغيرة.
[٢] القعب : القدح الضخم.
[٣] لهدّ : كلمة تعجب.
[٤] الخبر السابق أثبتناه عن مختصر ابن منظور.
[٥] من طريقه رواه البيهقي في دلائل النبوة ٢ / ١٨٢.
[٦] العبارة في مختصر ابن منظور : وقال ابن عباس : صعد رسول الله ٦ ذات يوم الصفا فقال.
[٧] سورة المسد ، الآية الأولى.
[٨] الخبر التالي بهذه الرواية استدرك عن مختصر ابن منظور.