تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٥٦ - ٨٣٨٧ ـ أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني
الطيب عليه في المسألة ، واجتمع الناس بباب الطاق [١] ، فرفع الشبلي يده إلى الله تعالى ، ودعا بدعاء لم يفهم ، ثم شخص إلى السماء ، فلم يطبق جفنا على جفن إلى وقت الزوال. وكان دعاؤه وابتداء إشخاص بصره إلى السماء ضحى النهار. فكبّر الناس وضجوا بالدعاء والابتهال. ثم مضى الشبلي إلى سوق يحيى ، وإذا برجل يبيع حلواء ، وبين يديه طنجير [٢] فيه عصيدة تغلي ، فقال الشبلي لصاحب له : هل تريد من هذه العصيدة؟ قال : نعم. فأعطى الحلاوي درهما ، وقال : أعط هذا ما يريد [٣] ، ثم قال : تدعني أعطيه رزقه؟ قال الحلاوي : نعم. فأخذ الشبلي رقاقة ، وأدخل يده في الطنجير [٤] ، والعصيدة تغلي ، فأخذ منه بكفّه ، وطرحها على الرقاقة. ومشى الشبلي إلى أن جاء إلى مسجد أبي بكر بن مجاهد ، فدخل على أبي بكر ، فقام إليه [أبو بكر][٥] ، فتحدث أصحاب ابن مجاهد بحديثهما ، وقالوا لأبي بكر : أنت لم تقم لعلي بن عيسى الوزير ، وتقوم للشبلي؟! فقال أبو بكر : ألا أقوم لمن يعظمه رسول الله ٦؟! رأيت النبي ٦ في النوم ، فقال لي : «يا أبا بكر ، إذا كان في غد فسيدخل عليك رجل من أهل الجنّة ، فإذا جاءك فأكرمه».
قال ابن مجاهد : فلما كان بعد ذلك بليلتين [٦] أو أكثر رأيت النبي ٦ في المنام ، فقال لي : «يا أبا بكر ، أكرمك الله كما أكرمت رجلا من أهل الجنّة». فقلت : يا رسول الله ، بم استحق الشبلي هذا منك؟ فقال : «هذا رجل يصلي كل يوم خمس صلوات يذكرني في إثر كلّ صلاة ، ويقرأ : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ، الآية يفعل ذلك منذ ثمانين سنة ، أفلا أكرم من يفعل هذا»؟.
قال أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن جعفر الرازي :
كان أهل بغداد يقولون : عجائب الدنيا ثلاث : إشارات الشبلي ، ونكت المرتعش [٧] ، وحكايات جعفر.
[١] باب الطاق ينسب إلى طاق أسماء ، وهو بالجانب الشرقي من بغداد بين الرصافة ونهر المعلى. (راجع معجم البلدان : طاق أسماء ٤ / ٥).
[٢] الطنجير : بالكسر ، وهو معروف فارسيته باتيله ، والطنجرة مثله. (تاج العروس).
[٣] في مختصر أبي شامة : تريد ، والمثبت عن تاريخ بغداد.
[٤] في مختصر أبي شامة : الطنجر ، والمثبت عن تاريخ بغداد.
[٥] الزيادة عن تاريخ بغداد.
[٦] في تاريخ بغداد : بثلاثين.
[٧] هو عبد الله بن محمد المرتعش أبو محمد نيسابوري من محلة الحيرة ، كان يقيم في مسجد الشونيزية ومات ببغداد سنة ٣٢٩ أخباره في الرسالة القشيرية ص ٤٣١.