تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٢٠ - ٢٩٢١ ـ الضحاك بن قيس بن بن معاوية بن حصين وهو مقاعس بن عباد ابن النزال بن مرة بن تميم أبو بحر التميمي
البغي ، فإنه قد كان من أنصارك من أثبتهم بصيرة في حقك أعظمهم غناء عنك طائفة من أهل البصرة ، فأيّ أولئك يجهل حقه وتنسى قرابته؟ إنّ هذا الذي أتاك به الأشتر وأصحابه قول متعلمة أهل الكوفة ، وأيم الله لئن تعرضوا لها لتكرهن عاقبتها ولا تكون الآخرة كالأولى ، فقال علي : ما قلت إلّا ما نعرف فهل من شيء تخصّون به إخوانكم بما قاسوا من الحرب؟ قال : نعم ، أعطياتنا في بيت المال ، ولم نكن لنصرفها في عدلك عنا ، فقد طبنا [١] عنها نفسا في هذا العام فاقسمها فيهم ، فدعاهم علي فأخبرهم بحجج القوم وبما قالوا وبموافقتهم إيّاه ، ثم قسم المال بينهم خمس مائة لكلّ رجل ، فهذا اليوم الثاني.
وأمّا اليوم الثالث : فإنّ زيادا أرسل إليه بليل وهو جالس على كرسي في صحن داره فقال : يا أبا بحر ما أرسلت إليك في أمر تنازعني فيه مخلوجة [٢] ، ولكنّي أرسلت إليك وأنا على صريمة [٣] ، فكرهت أن يروعك أمر [٤] يحدث لا نعلمه قال : فما هو؟ قال : هذه الحمراء قد كثرت بين أظهر المسلمين ، وكثر عددهم وخفت عدوتهم ، والمسلمون في ثغرهم وجهادهم عدوّهم ، وقد خلفوهم في نسائهم وحرمهم. فأردت أن أرسل إلى كلّ من كان في عرافة من المقاتلة فيأتوا بسلاحهم ويأتيني كلّ عريف بمن في عرافته من عبد أو مولى فأضرب رقابهم فنؤمن ناحيتهم ، قال الأحنف : ففيم القول وأنت على صريمة؟ قال : لتقولنّ ، قال : فإن ذلك ليس لك يمنعك من الجهاد من ذلك خصال ثلاث : أمّا الأولى : فحكم الله في كتابه عن الله ، وما قتل رسول الله ٦ من الناس من قال لا إله إلّا الله وشهد أنّ محمّدا رسول الله بل حقن دمه ، والثانية : أنهم غلّة الناس لم يغز غاز [٥] فخلّف لأهله ما يصلحهم إلّا من غلاتهم ، وليس لك أن تحرمهم ، وأمّا الثالثة : فهم يقيمون أسواق المسلمين ، أفنجعل العرب يقيمون أسواقهم قصابين وقصارين وحجامين؟ قال : فوثب عن كرسيه ولم يعلمه أنه قبل منه ، وانصرف الأحنف قال : فما بتّ بليلة أطول منها أتسمّع الأصوات ، قال : فلمّا نادى أول المؤذنين قال لمولى [٦] له :
[١] بالأصل : «صنا عنها نفسنا» والمثبت عن الجليس الصالح.
[٢] يقال : وقعوا في مخلوجة من أمرهم ، أي اختلاط (اللسان).
[٣] الصريمة : العزيمة على الشيء وقطع الأمر (اللسان).
[٤] عن الجليس الصالح وبالأصل : «أم».
[٥] بالأصل : «لم نعر عار فحلف» صوبنا العبارة عن الجليس الصالح.
[٦] عن الجليس الصالح وبالأصل : المولى.