تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣١٩ - ٢٩٢١ ـ الضحاك بن قيس بن بن معاوية بن حصين وهو مقاعس بن عباد ابن النزال بن مرة بن تميم أبو بحر التميمي
اللهمّ وفّق ، اللهمّ وفّق ، اللهمّ سدّد ، فقال [١] العبد للعبد : فما الحيلة؟ قال : أن ينادي السّاعة بالرحيل ، فإنّما بينه وبين الغيضة فرسخ ، فيجعلها خلف ظهره فيمنعه الله بها ، فإذا امتنع ظهره بها بعث بمجنبتيه اليمنى واليسرى فيمنع الله بهما ناحيته ويلقي عدوّه من جانب واحد. فخرّ الأحنف ساجدا ، ثم نادى بالرحيل مكانه ، فارتحل المسلمون مكبين على رايتهم حتى أتى الغيضة فنزل في قبلها [٢] وأصبح فأتاه العدو ، فلم يجدوا إليه سبيلا إلّا من وجه واحد وضربوا بطبول أربعة ، فركب الأحنف فأخذ الراية وحمل بنفسه على طبل ففتقه وقتل صاحبه وهو يقول :
| إنّ على كلّ رئيس حقّا | أن تخضب الصّعدة أو تندقّا |
وفتق الطبول الأربعة ، وقتل حملتها ، فلمّا فقد الأعاجم أصوات طبولهم انهزموا ، فركب المسلمون أكتافهم فقتلوهم قتلا لم يقتلوا مثله قط ، وكان الفتح.
واليوم الثاني : أنّ عليا ظهر على أهل البصرة يوم الجمل أتاه الأشتر وأهل الكوفة بعد ما اطمأن به المنزل وأثخن في القتل فقالوا : أعطنا ، إن كنا قاتلنا أهل البصرة حين قاتلناهم وهم مؤمنون فقد ركبنا [٣] حوبا كبيرا ، وإن كنا قاتلناهم كفارا وظهرنا عليهم عنوة فقد حلّت لنا غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ، وذلك حكم الله تعالى ، وحكم نبيّه في الكفّار إذا ظهر عليهم فقال علي : إنّه لا حاجة بكم أن تهيجوا حرب إخوانكم ، وسأرسل إلى رجل منهم فإنه سيطلع رأيهم وحجّتهم في ما قلتم ، فأرسل إلى الأحنف بن قيس في رهط فأخبرهم بما قال أهل الكوفة ، فلم ينطق أحد غير الأحنف ، فإنه قال : يا أمير المؤمنين لما ذا أرسلت إلينا؟ فو الله إنّ الجواب عنا لعندك ، ولا نتبع الحقّ إلّا بك ، ولا علمنا العلم إلّا منك ، قال : أحببت أن يكون الجواب عنكم منكم ليكون أثبت للحجة ، وأقطع للتهمة ، فقل. فقال : إنهم قد أخطئوا وخالفوا كتاب الله وسنة نبيّهم ٦ ، إنما كان السبي والغنيمة على الكفار الذين دارهم دار كفر ، والكفر لهم جامع ، ولذراريهم ، ولسنا كذلك ، وإنما دار إيمان ينادى فيها بالتوحيد وشهادة الحقّ وإقام الصّلاة ، وإنّما بغت طائفة أسماؤهم معلومة ، أسماء أهل البغي. والثانية : حجتنا أنّا لم نستجمع على ذلك
[١] في الجليس الصالح : فقال صاحب العبد للعبد.
[٢] عن الجليس الصالح وبالأصل : قتلها.
[٣] عن الجليس الصالح ورسمها بالأصل : «كسا».