تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣١٢ - ٢٩٢١ ـ الضحاك بن قيس بن بن معاوية بن حصين وهو مقاعس بن عباد ابن النزال بن مرة بن تميم أبو بحر التميمي
وفّد أبو موسى وفدا من أهل البصرة إلى عمر بن الخطاب فيهم الأحنف بن قيس ، فلما قدموا على عمر تكلم [١] كلّ رجل منهم في خاصة نفسه ، وكان الأحنف في آخر القوم ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبي ٦ ثم قال : أمّا بعد يا أمير المؤمنين فإنّ أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه ، وإن أهل الشام نزلوا منازل قيصر ، وإن أهل [الكوفة][٢] نزلوا منازل كسرى ومصانعه في الأنهار العذبة والجنان المخصبة ، وفي مثل عين البعير وكالحوار [٣] في السّلى تأتيهم ثمارهم قبل أن تبلغ ، وإنّ أهل البصرة نزلوا في أرض سبخة ، زعقة نشاشة [٤] لا يجفّ ترابها ، ولا ينبت مرعاها ، طرفها في بحر أجاج ، والطرف الآخر في الفلاة ، لا يأتينا شيء إلّا في مثل مريء النعامة فارفع خسيستنا ، وانعش وكيستنا ، وزد في عيالنا ، وفي رجالنا رجالا ، وضع درهمنا وأكثر فقيرنا ، ومر لنا بنهر نستعذب منه الماء ، فقال عمر : عجزتم أن تكونوا مثل هذا ، هذا والله السيد ، فما زلت أسمعها بعد.
أخبرنا أبو القاسم بن السّمرقندي ، أنا أبو علي محمّد بن محمّد ، أنبأ علي بن أحمد بن عمر بن حفص ، أنا محمّد بن أحمد بن الحسن ، نا الحسن بن علي القطان ، نا إسماعيل بن عيسى العطار ، أنا إسحاق بن بشر قال : وكان أبو موسى حين قدم على عمر فسأله عمّا كان رفع إليه من أمره أحب أن يبحث عنه ، فلم يقم أحد فلقنه الكلام ، فقام الأحنف بن قيس وكان من أشبههم ، فقال : يا أمير المؤمنين صاحبك مع رسول الله ٦ في مواطن الحق ، وعاملك ولم ير منه إلّا خيرا ، وإنّا أناس بين سبخة ، وبين بحر أجاج لا يأتينا طعامنا إلّا في مثل حلقوم النعامة ، فأعد لنا فقيرنا ودرهمنا ، فأعجب منه ذلك عمر ، وعرض عنه لحداثة سنه فقال له : اجلس يا أحنف ، وكان برجله حنف ، فكذلك سمّاه الأحنف ، فغلب لقبه على اسمه ، وكانت أمه تهدهده في صغره وهي تقول :
| والله لو لا حنف برجله | لم يكن في الحي غلام مثله |
[١] تقرأ بالأصل «فكلم» وفي السير : فتكلم.
[٢] الزيادة عن سير الأعلام.
[٣] بالأصل «الجوار» خطأ والصواب عن سير الأعلام ، والحوار : ولد الناقة ساعة وضعه (اللسان) والسّلي :
الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه (اللسان).
[٤] تقرأ بالأصل : «بشباشة» والمثبت عن سير الأعلام.
والنشاشة : النزازة. وبئر زعقة : مرّة.