الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٥٧ - الحجاج والشعبي
وأصدقك القول ، فإن كان شئ ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء الله أحزن بنا المنزل [١] ، وأجدب الجناب ، واكتحلنا السهر ، واستحلسنا [٢] الخوف ، وضاق بنا البلد العريض ، فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء ، فقال له الحجاج : كذلك . قال : نعم ، أصلح الله الأمير ، وأمتع به ، قال : فنظر الحجاج إلى أهل الشام فقال : صدق والله يا أهل الشام ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا ، ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا ، ثم قال : انطلق يا شعبي فقد عفونا عنك ، فأنت أحق بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول : كان وكان ، قال : وكان قد أحضر بالباب رجلان ، وأحدهما من بكر بن وائل ، والآخر من تميم ، وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب أن يقوله ، فلما أدخلا . قال الحجاج للبكري : أمنافق أنت ؟ قال : نعم ، أصلح الله الأمير ، لكن أخو بني تميم لا يبوء [٣] على نفسه بالنفاق . قال التميمي : أنا على دمي أخدع ؟ ، بل أنا - أصلح الله الأمير - منافق مشرك فتبسم الحجاج وأمر بتخلية سبيلهما .
قال الشعبي : فوالله ما أتى لذلك الأمر إلا نحو من شهرين ، حتى رفعت إليه فريضة أشكلت عليه ، وهي أم ، وجد ، وأخت . فقال : من هاهنا نسأله عنها ؟
قال : فدل علي ، فأرسل إلي ، وقال يا شعبي ما عندك في هذه الفريضة ، أم ، وأخت وجد ؟ فقلت : أصلح الله الأمير . قال فيها خمسة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . قال : من قال فيها ؟ قلت : قال فيها علي بن أبي طالب ، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت . قال : هات ما قال فيها علي . فأخبرته . قال : فما قال فيها ابن مسعود ؟ فأخبرته ، قال : فما قال فيها ابن عباس ؟ فوالله لقد كان متفقها [٤] فأخبرته . قال : فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان ؟ فأخبرته . قال : فما قال زيد بن ثابت ؟ قلت : أخذها من تسعة أسهم ، فأعطى الأم ثلاثة أسهم ، وأعطى الجد أربعة أسهم ، وأعطى الأخت سهمين . فلما سمع ما كان من قول كل واحد
[١] في العقد : نبأ بنا المنزل وفي المروج : أحزن بنا المبرك .
[٢] استحلسنا الخوف : أي لم يفارقنا .
[٣] لا يبؤ : لا يعترف .
[٤] في مروج الذهب : " متقيا " وفي العقد : " منقبا " .