الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣٦ - قتل مصعب بن الزبير
من ثقتي بك ، ومودتي وإخائي ، فذلك كما ذكرته ولكنه بعد قتلك عمرو بن سعيد لا يطمأن إليك ، وهو أقرب رحما مني إليك ، وأولى بما عندك ، فقتلته غدرا ، ووالله لو قتلته في ضرب ومحاربة لمسك عاره ، ولما سلمت من إثمه .
وأما ما ذكرت من أنك خير لي من أخي ، فدع عنك أبا بكر ، وإياك وإياه ، لا تتعرض له واتركه ما تركك ، واربح عاجل عافيته وارج الله في السلامة من عاقبته فقال له عبد الملك : لا تخوفني به ، فوالله إني لأعلم منه مثل ما تعلم ، إن فيه لثلاث خصال لا يسود بها أبدا : عجب قد ملأه ، واستغناء برأيه ، وبخل التزمه ، فلا يسود بها أبدا .
قتل مصعب بن الزبير قال : وذكروا أن عبد الملك لما أيس من مصعب ، كتب إلى أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه ، ويجعل لهم أموالا عامة ، وشروطا وعهودا ، ومواثيق وعقودا ، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر يجعل له وحده مثل جميع ما جعل لأصحابه ، على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير إذا التقوا . فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب : إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب [١] ، وكتب لأصحابي كلهم فلان وفلان بذلك ، فادع بهم في هذه الساعة ، فاضرب أعناقهم واضرب عنقي معهم . فقال مصعب ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم .
قال إبراهيم : فأخرى ، قال : وما هي ؟ قال : أحبسهم في السجن حتى يتبين ذلك ، فأبى ، فقال له إبراهيم بن الأشتر : عليك السلام ورحمة الله وبركاته ، ولا تراني والله بعد في مجلسك هذا أبدا . وقد كان قال له قبل ذلك : دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا ، وهي ما شرطه الله . فقال له مصعب : لا والله لا أفعل ، لا أكون قتلتهم بالأمس ، وأستنصر بهم اليوم [٢] ، قال : فما هو إلا أن التقوا فحولوا رؤوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن مروان . قال : فبقي مصعب في شرذمة [٣] قليلة . قال : فجاءه عبيد الله [ بن زياد ] بن ظبيان ، فقال : أين الناس أيها
[١] نسخة الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى إبراهيم بن الأشتر ، أما بعد ، فإني أعلم أن تركك الدخول في طاعتي ليس إلا عن معتبة ، فلك الفرات وما سقى ، فأنجز إلي فيمن أطاعك من قومك ، والسلام . ( الأخبار الطوال ص ٣١٢ ) .
[٢] إشارة إلى حروبه مع المختار بن أبي عبيد بالكوفة وتتبع مصعب أصحابه بالقتل حتى قتل ما يزيد على الستة آلاف .
[٣] في مروج الذهب : في سبعة نفر . بعدما تخلى عنه مضر وربيعة وقتل إبراهيم بن الأشتر .