الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٣٢ - ذكر قدوم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز
بالرحمة من ذلك اليوم ، فلم يبق محب ولا مبغض ولا خارجي ولا حروري [١] إلا أخذ الله له بقلوبهم ، وابتهلوا بالدعاء وأخلصوا له بالسؤال بالعفو من الله ، ورضي الناس أجمعون فعله ، قال خالد : ثم بايع الناس لعمر في المسجد بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس ، لا يشوبها غش ، ولا يخالطها دنس ، قال خالد :
وسمعت رجاء يقول لما تمت البيعة : إني مهما شككت في شئ فإني لم أشك يوم البيعة لعمر بالنجاة ، والرحمة لسليمان إن شاء الله ، واستفتح عمر ولايته ببيع أموال سليمان ، ورباعه [٢] وكسوته ، وجميع ما كان يملكه ، فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف دينار ، فجمع ذلك كله ، وجعله في بيت المال ، ثم دخل على زوجته فاطمة ابنة عبد الملك ، قال لها : يا فاطمة ، فقالت : لبيك يا أمير المؤمنين ، فجعل يبكي ، وكان لها محبا ، وبها كلفا ، ثم استفاق من بكائه ، فقال لها :
اختاريني ، أو اختاري الثوب الذي عمل لك أبوك ، وكان قد عمل لها أبوها عبد الملك ثوبا منسوجا بالذهب ، منظوما بالدر والياقوت ، أنفق عليه مائة ألف دينار . فقال لها : إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجلعه في بيت المال ، وإن اخترت الثوب ، فلست لك بصاحب . فقال : أعوذ بالله يا أمير المؤمنين من فراقك ، لا حاجة لي بالثوب . فقال عمر : وأنا أفعل بكل خصلة ، أجعل الثوب في آخر بيت المال ، وأنفق ما دونه ، فإن وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين ، وإنما هو من أموال المسلمين أنفقت فيه ، وإن بقي الثوب ولم أحتج إليه ، فلعل أن يأتي بعدي من يرده إليك . قالت : افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك . ثم دخل عليه ابنه ، وعليه قميص تذعذع . فقال له عمر : ارفع قميصك يا بني ، فوالله ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم .
ذكر قدوم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز قال : وذكروا عن عبد الأعلى بن أبي المشاور ، أنه أخبرهم قال : قدم جرير شاعر أهل العراق وأهل الحجاز على عمر ، أول ما استخلف ، فأطال المقام ببابه ، لا يصل إليه حتى قدم عليه عون بن عبد الله الهذلي [٣] ، وكان من عباد
[١] نسبة إلى خوارج حروراء . ( بلد ) :
[٢] الرباع جمع ربع ، الفصيل الذي ينتج في الربيع .
[٣] يريد عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .