الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٣٠ - ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز
الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين ، وخليفة المسلمين عهد أنه يشهد لله بالربوبية والوحدانية ، وأن محمدا عبده ورسوله ، بعثه إلى محسني عباده بشيرا ، وإلى مذنبيهم نذيرا ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق مخلوقتان ، خلق الجنة رحمة [١] لمن أطاعه ، والنار عذابا لمن عصاه [٢] ، وأوجب العفو لمن عفا عنه ، وأن إبليس في النار ، وأن سليمان مقر على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه [ وبما تعلمه نفسه من معصية ربه ] ، موجب على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة [ ووعد من العفو ] والمغفرة ، وأن المقادير كلها خيرها وشرها من الله [٣] ، وأنه هو الهادي وهو الفاتن ، لم يستطع أحد لمن خلق الله لرحمته غواية ، ولا لمن خلق لعذابه هداية ، وأن الفتنة في القبور بالسؤال عن دينه ونبيه الذي أرسل إلى أمته حق يقين ، لا منجي لمن خرج من الدنيا إلى الآخر من هذه المسألة [ إلا لمن استثناه عز وجل في علمه ] . وسليمان يسأل الله بواسع فضله وعظيم منه ، الثبات على الحق عند تلك المسألة ، والنجاة من أهوال تلك الفتنة ، وأن الميزان حق يقين ، يضع الموازين القسط ليوم القيامة ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه [ يومئذ ] فأولئك هم الخاسرون ، وأن حوض محمد صلى الله عليه وسلم يوم الحشر والموقف حق ، عدد آنيته كنجوم السماء ، من شرب منه لم يظمأ أبدا . وسليمان يسأل الله برحمته أن لا يرده عنه عطشان وأن أبا بكر وعمر خير هذه الأمة ، بعد نبينا صلى الله عليه وسلم ، والله يعلم بعدهما حيث الخير ، وفيمن الخير من هذه الأمة ، وأن هذه الشهادة المذكورة في عهده هذا ، يعلمها [ الله ] من سره وإعلانه ، وعقد ضميره ، وأن بها عبد ربه قي سالف أيامه ، وماضي عمره ، وعليها أتاه يقين ربه ، وتوفاه أجله ، وعليها يبعث بعد الموت إن شاء الله ، وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة بلايا وسيئات ، لم يكن له عنها محيص [٤] ، ولا دونها مقصر بالقدر السابق والعلم النافذ في محكم الوحي ، فإن يعف ويصفح ، فذلك ما عرف منه قديما ، ونسب إليه حديثا ، وتلك
[١] في صبح الأعشى : رحمة وجزاء .
[٢] في الصبح : والنار نقمة وجزاء لمن عصاه .
[٣] راجع العبارة في الصبح .
[٤] في الصبح : محيد .