الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٢٩ - ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز
بالخلافة ، وذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان . فقلت لهم : لا تعجلوا فإن عمر قال لي : أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما ، وهذا أفطن مني بهذا الأمر لأنه كان حاضرا ، وسليمان يكتب العهد بيده ، فضج الناس من ذلك واختلفوا . فقالت فرقة : سمعنا وأطعنا ، لمن استخلف علينا ، كان من كان . وقالت فرقة : لا ، والله لا نقر بهذا ، ولا نطيعه ولا يستخلف علينا إلا مرواني ، ولا تبقى منا عين تطرف في الدنيا . فقال رجاء لعمر : كيف ترى قولي ، والله لئن كان هذا إنه لهو البلاء المبين ، وإنها الفتنة قد فتح بابها . فقال عمر : أرجو الله أن يغلقه إن شاء الله .
قال رجاء : فقلت لعمر : ما نحن صانعون إن كان هذا ؟ فقال عمر : لا أدري ما أقول في موقفي هذا . قال رجاء : ولم ؟ فقال عمر : لأني والله ما وقفت موقفا قط ، لا رأي لي فيه ولا بصيرة ، إلا موقفي هذا ، فإني قد أجدني قد ذهب روعي [١] ، وفقدت رأيي ، ولا أدري ما أستقبل من أمري ، ولا ما أستدير ، ولو استطعت الفرار لفررت من موضعي هذا ، حيث لا أدرك ولا أرى . قال رجاء :
فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه وبصيرته . قال رجاء : فقلت له : يا أبا حفص ، فأين نحن من المفزع إلى الله ، والرغبة في الصلاح علينا وعلى المسلمين ، ويعزم لنا على ما فيه الخير والخيرة ؟ فقال عمر : بلى والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد . قال رجاء : فبتنا ليلتنا لا نألوا على أنفسنا في الدعاء ، والاستخارة لله ، فلما أصبحنا قلت لعمر : ما ترى يا أبا حفص ؟ فقال : أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت ، ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى أموت . قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول : قد قضى أمير المؤمنين نحبه ، فخرجا ، فإذا بالعويل والنوح ، فرجعا إلى المسجد ترعد فرائصهما ، والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول : لست به ، حتى دخل المسجد ، وقد اجتمع الناس ، وهو مستعدون للفتنة والقتال ، إن خالف العهد ما يريدون .
فقام رجاء إلى جانب المنبر : فحمد الله ، وحض الناس على الطاعة ، ولزوم الجماعة ، وأعلمهم بما في الفرقة والاختلاف ، من ذهاب الدين والدنيا ، ثم أخرج العهد ، ففضه بمحضر منهم ، ثم قرأه عليهم . فإذا فيه [٢] : بسم الله
[١] الروع : بضم الراء ، القلب ، أي ذهب عقلي .
[٢] نسخة كتاب العهد باختصار في الطبري ٦ / ٥٥١ ابن الأثير ٣ / ٢٥٢ البداية والنهاية ٩ / ٢٠٦ وفي صبح الأعشى نسخة كتاب العهد نقلا عن المؤلف ٩ / ٣٦٠ .