الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٢٠ - ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة
فلما انتهى إلى عقبة عسفان ، نظر سليمان إلى السرادقات ، قد ضربت له ما بين أحمر وأخضر وأصفر ، وكان يوسف بن عمر قد عمل له باليمن ثلاثة سرادقات ، فكانت تضرب له ، وكان الذي منها للناس من خز أخضر ، والذي يليه من خز أصفر ، ثم الذي يكون هو فيه من وشي أحمر ، محبر من حبرات [١] اليمن ، مزرر بالذهب والفضة ، وفي داخله فسطاط ، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر ، مرافقها من وشي أصفر ، وضربت حجب نسائه من وراء فسطاطه ، وحجر بنيه وكتابه وحشمه قرب ذلك . فلما استوى سليمان في قبة العقبة ، ونظر إلى ما نصب له .
قال : يا عمر ، كيف ترى هاهنا ؟ قال : أرى دنيا عريضة ، يأكل بعضها بعضا ، أنت المسؤول عنها ، والمأخوذ بها [٢] ، فبينما هما كذلك ، إذ طار غراب من سرادق سليمان ، في منقاره كسرة ، فصاح الغراب . فقال سليمان : ما يقول هذا الغراب يا عمر ؟ قال عمر : ما أدري ، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم . قال سليمان : أخبرني . فقال عمر : هذا غراب طار من سرادقك بكسرة ، هو يأكلها ، وأنت المأخوذ بها ، والمسؤول عنها من أين دخلت ، وأين خرجت ؟ قال سليمان :
إنك لتجئ بالعجائب يا أبا حفص . فقال عمر : أفلا أخبرك بأعجب من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : أخبرني . قال : من عرف الله تعالى كيف يعصاه ، ومن عرف الشيطان كيف يطيعه ، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش ويسوغ له الطعام ، ومن أيقن بالنار كيف يضحك ! فقال سليمان : نغصت علينا ما نحن فيه يا أبا حفص ، ومن يطيق ما تطيق أنت يا عمر ؟ أنت والله الموفق المطيع [٣] .
ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة قالوا : إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن رجاء بن حياة ، أنه نظر إلى طاووس اليماني يصلي في المسجد الحرام ، فانصرف رجاء إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ بمكة قد حج ذلك العام . فقال : إني رأيت طاووس في المسجد ، فهل لك أن ترسل إليه ؟ قال : فأرسل إليه سليمان . فلما أتاه قال رجاء لسليمان : يا أمير المؤمنين ، لا تسأله عن شئ حتى يكون هو الذي يتكلم . فلما
[١] حبرات اليمن : من برود اليمن .
[٢] في حيلة الأولياء ٥ / ٢٧٢ بما فيها .
[٣] الخبر في حلية الأولياء ٥ / ٢٧٢ .