الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٧ - فصل (في الكلام في الوعد و الوعيد و ما يتصل بهما)
نتكلم عليه عند الكلام في الإحباط إن شاء اللّه.
و المعاصي على ضربين كفر و غير كفر، فالكفر يستحق به العقاب الدائم إجماعا لا خلاف بين الأمة فيه، و ما ليس بكفر ليس على دوامه دليل بل دل الدليل على انقطاعه على ما سنبينه إن شاء اللّه.
و لا تحابط عندنا بين الطاعة و المعصية و لا بين المستحق عليها من ثواب و عقاب، و متى ثبت استحقاق الثواب فإنه لا يزيله شيء من الأشياء، و العقاب إذا ثبت استحقاقه فلا يزيله شيء من الأشياء عندنا الا التفضل.
و من خالفنا يقول الثواب يزول بالندم على الطاعة و العقاب كثيرة يوفي على الثواب. و العقاب يزول بالتفضل و بالندم الذي هو التوبة، و تكثر الطاعة إذا زاد ثوابها على العقاب الحاصل.
و الذي يدل على بطلان التحابط أنه لا تنافي بين الطاعة و المعصية و لا بين المستحق عليهما من الثواب و العقاب و لا ما يجري مجراه التنافي، و الشيء ينافي غيره لتضاد بينهما أو ما يجري مجرى التضاد.
و انما قلنا لا تضاد بين الطاعة و المعصية لأنهما قد ثبت أنهما من جنس واحد، بل نفس ما يقع طاعة كان يجوز أن يقع معصية. ألا ترى أن قعود الإنسان في دار غيره غصبا معصية، و هو من جنس قعوده فيها باذنه، و هو جنس مباح، و هما من جنس واحد. و كذلك لا تضاد بين المستحق عليهما لمثل ذلك بعينه، لان الثواب من جنس العقاب، بل نفس ما يقع ثوابا كان يجوز أن يقع عقابا، لان الثواب هو النفع الواقع على بعض الوجوه، و لا شيء يقع نفعا الا و كان يجوز أن يقع ضررا و عقابا، بأن يصادف نفارا.
و لو كان بينهما تضاد على تسليمه لما تنافي الثواب و العقاب و هما معدومان، لان الضد الحقيقي لا ينافي ضده في حال عدمه، لان السواد و البياض قد يجتمعان في العدم.