الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٤ - فصل (في الكلام في النبوة)
و قول البراهمة: انّ النبي لا يخلو أن يأتي بما يوافق العقل أو بما يخالفه فان أتى بما يوافقه فالعقل فيه كفاية، و ان أتى بما يخالفه فما يخالف العقل [لا يلتفت إليه لأنه قبيح بالاتفاق. باطل، لأنا نقول: الشرع لا يأتي إلا بما يوافق العقل] [١] على طريق الجملة لا على طريق التفصيل، و تفصيله لا يمكن معرفته بالعقل، فيبعث اللّه تعالى نبيا ليعرفنا تفصيل ذلك.
فأما ما يعلم مفصلا بالعقل فلا يحتاج الى بعثة الأنبياء فيه، و انما قلنا ذلك لان العقل دال على وجه الجملة على أن ما دعا الى فعل واجب مثله و ما صرف عن قبيح يجب فعله، و ما يدعو الى قبيح أو إخلال بواجب يجب تجنبه.
و إذا كان هذا معلوما جملة و يحصل ذلك في بعض الأفعال التي لا نعلم بالعقل كونه كذلك و يجب اعلامنا ذلك و لا يتم ذلك الا ببعثة رسول على ما بيناه.
و انما يكون منافيا لما في العقل أو نفي السمع ما أثبته العقل أو أثبت ما نفاه و الأمر بخلافه.
و مثل ذلك ما نعلمه عقلا وجوب دفع المضار عن النفس و قبح الظلم على طريق الجملة، ثم يرجع في حصول بعض المضار في كثير من الأفعال إلى التجربة و العادات أو الى الخبر، فلا نكون بذلك مخالفين لما في العقل. و كذلك القول في السمع.
و قولهم: ان الصلاة و الصوم و الطواف قبائح في العقل، لا يجوز أن يتغير كما لا يجوز أن يتغير قبح الظلم و الكذب و غير ذلك. باطل، لأن القبائح في العقل على ضربين: أحدهما لا يجوز تغيره كالظلم و الكذب و المفسدة و الجهل و غير ذلك، و لا يجوز أن يرد السمع بخلافه. و الثاني ما يجوز أن يتغير من حسن الى قبح و من قبح الى حسن كالضرر الذي متى عري من استحقاق نفع أو دفع ضرر كان قبيحا و متى حصل
[١] الزيادة ليست في ر.