الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٩ - فصل (في الكلام في التكليف و جمل من أحكامه)
و لما كانت علومه لا يصح حصولها الا مع كمال عقله وجب أن يخلق فيه العقل، و العقل هو مجموع علوم إذا اجتمعت كان الحي عاقلا، و إذا حصل بعضها أو لم يحصل شيء أصلا لم يكن عاقلا.
و العلوم التي تسمى عقلا تنقسم ثلاثة أقسام: أولها العلم بأصول الأدلة، و ثانيها ما لا يتم العلم بهذه الأصول إلا معه، و ثالثها ما لا يتم الغرض المطلوب الا معه.
فالأول كالعلم بأحوال الأجسام التي تتغير من حركة و سكون، و العلم باستحالة خلق الذات من النفي و الإثبات المتقابلين، و العلم بأحوال الفاعلين و غير ذلك. و ليس يصح العلم الا ممن يجب أن يكون عالما بالمدركات إذا أدركها و ارتفع اللبس عنها و ممن إذا مارس الصنائع بعلمها، و العلم بالعادات من أصول الأدلة الشرعية، فلا بد منه، فهو نظير القسم الثاني. و القسم الثالث العلم بجهات المدح و الذم و الخوف و طرق المضار حتى يصح خوفه من إهمال النظر، فيجب عليه النظر و التوصل به الى العلم.
و الذي يدل على أن ذلك هو العقل لا غير أنه متى تكاملت هذه العلوم كان عاقلا، و لا يكون عاقلا الا و هذه العلوم حاصلة، و لو كان للعقل معنى آخر لجاز حصول هذه العلوم، و لا يحصل ذلك المعنى فلا يكون عاقلا و ان لم يكن له هذه العلوم، و المعلوم خلاف ذلك.
و سميت عقلا لان لمكانها يمتنع من كثير من المقبحات، فشبهت بعقال الناقة التي تمنعها من السير. و لان العلوم المكتسبة مرتبطة بها و لا يصح حصولها من دونه، فسميت به عقلا تشبيها أيضا بعقال الناقة، و لذلك لا يجوز وصف اللّه تعالى بأنه عاقل و ان كان عالما بجميع المعلومات.
و يجب أن يكون المكلف متمكنا من الآلات التي يحتاج إليها في الأفعال