الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣١ - فصل (في إثبات صانع العالم و بيان صفاته)
ألا ترى أن قوله تعالى وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [١] و قوله تعالى اعْمَلُوا مٰا شِئْتُمْ [٢] بصورة الأمر و المراد به التهديد، و قوله تعالى «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ» [٣] صورته صورة الأمر و المراد به التحدي، و قوله تعالى وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا [٤] المراد به الإباحة. و نظائر ذلك كثيرة جدا، فلا يمكن مع ذلك أن يكون آمرا لجنسه و لا لصيغته و لا لحدوثه، لان جميع ذلك يوجد فيما ليس بأمر، فلم يبق الا أنه يكون آمرا لإرادة المأمور به. و الكلام في النهي و الخبر مثل ذلك.
و أيضا فقد ثبت أنه تعالى خلق الخلق و لا بد أن يكون له فيه غرض، لأنه ان لم يكن له فيه غرض كان عبثا، و ذلك لا يجوز عليه. و لا يجوز أن يكون خلقهم لنفع نفسه، لان ذلك لا يجوز عليه، لأنا سنبين استحالة المنافع عليه.
فلم يبق الا أنه خلق الخلق لمنافعهم، و معناه أنه أراد نفعهم بذلك، فثبت بذلك أنه مريد.
و يجب أن يكون تعالى قديما موجودا في الأزل، لأنه لو كان محدثا لاحتاج الى محدث، و الكلام في محدثه كالكلام فيه، فكان يؤدي الى محدثين و محدثي المحدثين الى ما لا نهاية له، و ذلك فاسد.
و أيضا فإنه فاعل الأجسام و الاعراض المخصوصة من الألوان و الطعوم و غيرهما، و المحدث لا يصح منه فعل الجسم و لا هذه الأعراض المخصوصة، فوجب أن يكون من صحت فيه قديما. و انما كان كذلك لان المحدث لا يكون
[١] سورة الإسراء: ٦٤.
[٢] سورة فصلت: ٤٠.
[٣] سورة البقرة: ٢٣.
[٤] سورة المائدة: ٢.