الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦٦ - فصل (في الكلام في النبوة)
قلنا: نحن أولى بذلك، لان النظر في معجز النبي (عليه السلام) يبنى على أمور عقلية لا يدخلها احتمال الاشتباه، لأنه مبني على ظهور القرآن و تحدي العرب و انهم لم يعارضوه، و ذلك كله معلوم ضرورة. و العلم بأن هذه صورته يكون معجزا و دالا على النبوة طريقه اعتبار العقل الذي لا يدخله الاحتمال، و ليس كذلك الكلام في الخبر، لان الخبر كلام و الكلام لا تدخله الحقيقة و المجاز و العمل بظاهره تركه.
و الخبر الذي يدعونه مبني على صحته، و صحته لا تعلم الا بعد العلم بأن صفة التواتر فيه ثابتة في جميع أسلاف اليهود و كل زمان. ثم إذا ثبت فهو كلام تدخله الحقيقة و المجاز و الخصوص و العموم و الشروط و العدول عن ظاهره. فعلم بذلك أن النظر في معجز النبي (عليه السلام) أولى، لأن في العلم بصحته بطلان ما سواه، و ان لم يعلم صحة تكليف النظر في تصحيح خبرهم.
و أما من أجاز النسخ عقلا و شرعا و منع من صحة نبوة نبينا (عليه السلام) فالوجه فيه أن يدل على صحة نبوة نبينا لبطل قوله، و لنا في الكلام في ثبوته طريقان: أحدهما الاستدلال بالقرآن على صحة نبوته، و الأخر الاستدلال بباقي معجزاته (عليه السلام).
و الاستدلال بالقرآن لا يتم الا بعد بيان خمسة أشياء: أحدها ظهوره (عليه السلام) بمكة و ادعاؤه النبوة، و ثانيها تحديه العرب بهذا القرآن و ادعاؤه أن اللّه أنزله عليه و خصه به، و ثالثها أنه لم يعارضوه في وقت من الأوقات، و رابعها أنهم لم يعارضوه للعجز، و خامسها أن هذا لتعذر خرق العادة.
فإذا ثبت ذلك دل على أن القرآن معجز، سواء كان معجزا خارقا للعادة بفصاحته فلذلك لم يعارضوه أو لأن اللّه تعالى صرفهم عن معارضته و لولا الصرف لعارضوا، و أي الأمرين ثبت ثبتت صحة نبوته (عليه السلام)، لأنه تعالى