الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٢ - فصل (فيما يجوز عليه تعالى و ما لا يجوز)
و بمثل ذلك بعينه يعلم انه لا يدرك بشيء من الحواس الباقية، فلا وجه للتطويل بذكره.
و الحاسة السادسة غير معقولة، و لو كانت معقولة لكان حكمها حكم هذه الحواس مع اختلافها و اتفاقها في هذا الحكم.
و أيضا قوله تعالى «لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ» [١] دليل على استحالة رؤيته، لأنه تمدح بنفي الإدراك عن نفسه، و كل تمدح تعلق بنفي فإثباته لا يكون الا نقصا، كقوله «لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ» [٢] و قوله تعالى «مَا اتَّخَذَ اللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ» [٣] و قوله تعالى «وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صٰاحِبَةٌ- وَ لٰا وَلَداً» [٤] و قوله تعالى «لٰا يَظْلِمُ النّٰاسَ شَيْئاً» [٥] و غير ذلك مما تعلق المدح بالنفي، فكان إثباته نقصا.
و الآية فيها مدح بلا خلاف و ان اختلفوا في جهة المدح، و الإدراك في الآية بمعنى الرؤية، لأنه نفى عن نفسه ما أثبته لنفسه بقوله «وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ» [٦] و قوله «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ. إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» [٧] لا يعارض هذه الآية، لأن النظر المذكور في الآية معناه الانتظار، فكأنه قال: لثواب ربها منتظرة. و مثله قوله «وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنٰاظِرَةٌ» [٨] أي منتظرة.
و ليس النظر بمعنى الرؤية في شيء من كلام العرب، ألا ترى انهم يقولون
[١] سورة الانعام: ١٠٣
[٢] سورة البقرة: ٢٥٥.
[٣] سورة المؤمنون: ٩١.
[٤] سورة الانعام: ١٠١.
[٥] سورة يونس: ٤٤.
[٦] سورة الانعام: ١٠٣.
[٧] سورة القيامة: ٢٢- ٢٣.
[٨] سورة النمل: ٣٥.