الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢٩ - فصل (في الكلام في الوعد و الوعيد و ما يتصل بهما)
و الآية الثانية انما نفي فيها أن يكون للظالمين أنصار، و النصرة غير الشفاعة، لأن النصرة هي الدفع عن الغير على وجه الغلبة، و الشفاعة هي مسألة يقترن بها خضوع و خشوع.
و قوله «لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ» [١] فمعناه ارتضى أن يشفع فيه، و نظيره قوله «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلّٰا بِإِذْنِهِ» [٢] و قوله «لٰا تُغْنِي شَفٰاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلّٰا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللّٰهُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يَرْضىٰ» [٣]، و ليس هذا تركا للظاهر، لان المرتضى محذوف بلا خلاف، فهم يقدرون الا لمن ارتضى أفعاله و نحن نقدر الا لمن ارتضى أن يشفع فيه، و استوى التقديران و سقطت المعارضة بها.
على أن الفاسق الملي يجوز أن يكون مرتضى، بمعنى ارتضى ايمانه و كثير من طاعاته، كما يقول «هذا البناء مرتضى عندي» يريدون في البناء دون غيره من أفعاله.
و قوله «وَ لٰا تَنْفَعُهٰا شَفٰاعَةٌ» [٤] متروك الظاهر، لان عند الجميع ههنا شفاعة نافعة مقبولة، فان منعوا من نفعها في إسقاط الضرر منعنا نفعها في زيادة المنافع.
أو نقول: لا تقبل الشفاعة و لا تنفع الشفاعة للنفس الكافرة.
فأما حسن رغبتنا في أن يجعلنا اللّه تعالى من أهل شفاعة النبي (عليه السلام) فهو كرغبتنا في أن يجعلنا من التوابين و المستغفرين، فكما لا تكون الرغبة في التوبة و الاستغفار رغبة في فعل الكبائر [فكذلك الرغبة في الشفاعة لا تكون رغبة في الكبائر] [٥]، و لا فرق بينهما. و الوجه في الأمرين هو الرغبة في
[١] سورة الأنبياء: ٢٨.
[٢] سورة البقرة: ٢٥٥.
[٣] سورة النجم: ٢٦.
[٤] سورة البقرة: ١٢٣.
[٥] الزيادة ليست في ر.