الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦٢ - فصل (في الكلام في النبوة)
و دليل التنفير يقتضي نفي جميع القبائح عنهم صغيرها و كبيرها، و الفرق بينهما مناقضة.
و قولهم «حط الصغائر بتنقيص الثواب» ليس بصحيح إذا سلمنا الإحباط لأنها و ان نقصت الثواب فهي فعل قبيح و أقدام عليه و مع ذلك يزيل ثوابا حاصلا و في ذلك من مرتبة عالية الى ما دونها، و ذلك لا يجوز على الأنبياء كما لا يجوز أن يعزلوا عن النبوة بعد حصولها. ثم يلزم عليه تجويز الكبائر قبل النبوة، لان حطها نقصان الثواب، لان عقابها قد زال بالتوبة و النبوة، و ذلك لا يقوله أكثر من خالفنا.
و أما ما يستدل من الظواهر التي يقتضي ظاهرها وقوع المعصية من الأنبياء نحو قوله تعالى «وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ» [١] فقد بينا الوجه فيه في التفسير و استوفاه المرتضى في التنزيه لا يحتمل ذكر ذلك ههنا.
بل نقول: الظواهر تبنى على أدلة العقول و لا تبنى أدلة العقول على الظواهر، و إذا علمنا بدليل العقل أن القبيح لا يجوز عليهم تأولنا الآيات ان كانت لها ظواهر و ان كان أكثرها لا ظاهر له على ما بين هناك.
و أما الذي به يعلم أنه لا يجوز عليه الكتمان مما بعث لأدائه فهو أنا لو جوزنا ذلك أدى الى نقض الغرض في إرساله، فنؤل ما حمله و كلف أداه الى من هو مصلحة له حتى يكون مزيحا لعلتهم، فاذا علم أنه لا يؤدي انتقض الغرض و لم تحصل إزاحة العلة في معرفة المكلفين. و ليس ذلك بمنزلة تكليف من علم اللّه أنه يكفر، لان الغرض بتكليفه لا يتعداه.
ثم الغرض تعريضه لمنافع الثواب، فاذا لم يفعل أتي من قبل نفسه.
و تكليف النبوة الغرض فيه متعلق بغير النبي، و ان كان فيه غرض يرجع إليه
[١] سورة طه: ١٢١.