الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٩ - (الكلام في العدل)
و الذي يدل على ما قلناه من أن العلم بما تقدم هو العقل دون الشرع، هو أن كل عاقل مفطور العقل يعلم قبح الظلم و قبح الجهل و الكذب و العبث، فلو لا أن طريق ذلك العقل لما وجب شمول العلم لجميع العقلاء، و لكان يقف على من علم صحة السمع.
و في علمنا باشتراك جميع العقلاء من موحد و ملحد و مقر بالنبوات و جاحد لها في العلم بذلك دليل على أن طريق ذلك العقل.
و قولهم «انهم علموا ذلك لمخالطتهم للعقلاء من أهل الشرع» باطل، لأنه لو كان كذلك لعلموا قبح كل ما علمه أهل الشرع من قبح شرب الخمر و الزنا و غير ذلك، و في العلم بالفرق بينهما دليل على فساد ما قالوه.
و متى قالوا: ان العقلاء لا يعلمون ذلك أو يعتقدونه اعتقادا ليس بعلم.
لزمهم أن يقولوا لا يعلمون المشاهدات أيضا، لأن في الناس من قال طريق ذلك السمع، و لزم عليه قول السوفسطائية و أصحاب العنود في نفيهم العلم بشيء من الأشياء و نسبتهم ذلك كله الى الظن و الحسبان، و ذلك باطل بالاتفاق.
فأما الذي يدل على أنه تعالى قادر على القبيح، فهو ما ثبت من كونه خالقا لكمال العقل و العلم بالمشاهدات، و من شأن القادر على الشيء أن يكون قادرا على جنس ضده، فيجب أن يكون قادرا على ضد هذه العلوم من الجهل، و الجهل قبيح.
و أيضا فالقبيح من جنس الحسن، بدلالة أن قعود الإنسان في دار غيره غصبا من جنس قعوده فيها بإذن مالكها، و أحدهما قبيح و الآخر حسن.
و القديم تعالى قادر على الأجناس كلها، و من كل جنس على ما لا نهاية له، لأنه قادر لنفسه على ما مضى، و لا اختصاص له بقدر دون قدر و لا بجنس دون جنس.